السبت، 13 فبراير 2010

ليبيا: اعتقال كاتب إنترنت يضيق الخناق على الجدل السياسي


قالت منظمة هيومن رايتس ووتش أن على الحكومة الليبية إطلاق سراح الصحفي والكاتب عبر الإنترنت عبد الرازق المنصوري وإسقاط التهم الموجهة له، أو منحه محاكمة عاجلة وعادلة. وكانت قوى الأمن الداخلي الليبية قد احتجزت المنصوري منذ يناير/كانون الثاني الماضي في محاولة واضحة لإسكاته بوصفه كاتبا ذي آراء ناقدة.

وكانت الحكومة الليبية قد قامت باعتقال المنصوري والبالغ 52 عاماً من العمر في 12 يناير/كانون الثاني 2005، في بلدته طبرق. وكان قد قام خلال العام الفائت بكتابة ما يقارب خمسين مقالة وتعليقاً ناقداً للمجتمع والحكومة الليبيين عبر موقع الكتروني ينطلق من المملكة المتحدة (www.akhbar-libya.com). وقد نشر الموقع في الأسبوع المنصرم أن المنصوري سقط من على سريره في السجن مما أدى إلى كسر حوضه.

وقال جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "انتشر استخدام الإنترنت مؤخراً في ليبيا في غياب الإعلام المحلي الحر. و توفر المواقع الإلكترونية العاملة من خارج ليبيا قنوات للجدل السياسي، مما يجعل من اعتقال المنصوري عائقا أمام حرية الإنترنت والنقاشات المهمة حول الإصلاح في ليبيا".

وكانت الحكومة قد زعمت أنها اعتقلت المنصوري بسبب حيازته لمسدس غير مرخص. ومن الواضح أن موظفي جهاز الأمن الداخلي، الذي يتولى قضايا تتعلق بالأمن الوطني، قد احتجزوه قبل العثور على المسدس. و تحتجز السلطات المنصوري في سجن أبو سليم الذي يديره جهاز الأمن الداخلي، كما ووضعته في سجن انفرادي، ولمدة لا تقل عن أربعة أشهر من تاريخ اعتقاله، مع حرمانه من الاتصال بمحاميه أو أسرته.

وقامت هيومن رايتس ووتش بزيارة المنصوري في 5 مايو/أيار 2005 في سجن أبو سليم، وذلك أثناء زيارتها الأولى إلى ليبيا. حيث صرح المنصوري خلال تلك الزيارة أن موظفي الأمن الداخلي الذين قاموا باعتقاله كانوا يحملون مذكرة لتفتيش بيته، وأنهم قاموا بمصادرة حاسوبه الشخصي وأوراقه وأقراصه المرنة والمضغوطة.

كما قال المنصوري أنه خضع للاستجواب في مقر الأمن الداخلي في طبرق بخصوص المقالات التي قام بكتابتها. وقد حصلوا على مذكرة أخرى لتفتيش منزله في اليوم التالي، ووجدوا مسدساً قديماً يعود إلى والده إضافة إلى 25 طلقة. وقال المنصوري أنه وجد الطلقات على الشاطئ أثناء قيامه باصطياد السمك. وحتى تاريخ مايو/أيار 2005، لم يعلم المنصوري بتوجيه أية تهمة رسمية له، كما أن السلطات الليبية لم تستجب لطلب هيومن رايتس ووتش من أجل الحصول على معلومات عن هذه القضية.

من ناحيته قال ستورك: "من الواضح أن الحكومة قامت باعتقال عبد الرازق المنصوري لأنه كان يمارس حقه في حرية التعبير. كما أن الحكومة لا تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان فقط، بل تنتهك القانون المحلي الليبي أيضاً حين يحتجز موظفو الأمن الداخلي سجيناً في سجن انفرادي لعدة أشهر".

وفي 14 يناير/كانون الثاني، قامت السلطات بنقل المنصوري إلى مديرية الإرهاب والتخريب التابعة لجهاز الأمن الداخلي في العاصمة الليبية طرابلس. وقد قال المنصوري أن معظم الأسئلة الموجهة إليه كانت بخصوص مقالاته. وقال أنه استلم بعض الملابس من شقيقه بعد ثلاثة أشهر تقريباً، لكنه لم يقابله ولم يقابل أياً من أفراد عائلته. وقد أخبر منظمة هيومن رايتس ووتش في 14 إبريل/نيسان، بأن السلطات قامت بنقله إلى مقر الأمن الداخلي في منطقة "فشلوم" في طرابلس، حيث قام موظفو الأمن باستجوابه مرة أخرى، ليلاً ونهاراً. كما وذكر بأنه منع من مقابلة محامٍ طوال فترة احتجازه.

وكان العقيد تهامي خالد، رئيس جهاز الأمن الداخلي، قد قال لـ هيومن رايتس ووتش أنه كان مسؤولاً عن اعتقال المنصوري. وقال العقيد خالد: "لم يعتقل هذا الرجل بسبب مقالة أو بسبب الإنترنت أو الراديو، وهو يستطيع أن يتابع عمله هذا لمدة عشرين عاماً؛ لقد اعتقل بسبب حيازته مسدس بدون ترخيص". وقد قال بأن جهاز الأمن الداخلي قام باحتجاز المنصوري بدلاً من الشرطة لأن حيازة السلاح هي "من اختصاص الأمن الداخلي".

وذكر الموقع www.akhbar-libya.com الأسبوع الماضي أن المنصوري تعرض لكسر في الحوض نتيجة سقوطه عن سريره المرتفع في السجن، وأنه لا يتلقى الرعاية الصحية اللازمة. وقد كتبت منظمة هيومن رايتس ووتش لأمين الأمن العام الليبي (في وزارة الداخلية) ولأمين العلاقات الخارجية والتعاون الدولي (في وزارة الخارجية) في 9 أغسطس/آب طالبةً معلومات تتعلق بقضية المنصوري القانونية وبصحته. ولم ترد أية أجوبة من الحكومة فيما يخص هذا الطلب.
وفي هذا السياق قال ستورك: "إننا قلقون جداً لعلمنا بإصابة المنصوري، وإننا نحث الحكومة على منحه الرعاية الطبية التي يحتاجها".

وفقاً للمنصوري ولأحد محرري موقع www.akhbar-libya.com، فإن المنصوري كتب ما يقارب 50 مقالاً للموقع خلال عام 2004 وأوائل عام 2005. وكان المنصوري قد قال لـ هيومن رايتس ووتش: "إنني أدرس الحياة والشعب الليبيين من جميع الوجوه. لماذا يطلق الليبي لحيته؟ وما الذي يجعل الليبيين وكأنهم خائفين من أحد ما؟ ولماذا لم يحن وقت الديمقراطية في ليبيا؟". وأضاف: "إن ما نريده هو أن تصبح ليبيا مكاناً أفضل، حتى لو من خلال الكتابة".
واحتوت المقالة الأخيرة التي أرسلها المنصوري قبل اعتقاله بعنوان: "هل سيأتي حامل المفتاح قريباً إلى تلك القاعة في سرت؟" ونشرت في 20 يناير/كانون الثاني، نقداً لاذعا لجدل دار بين اثنين من موظفي الحكومة، أحدهما إصلاحيٌ والآخر متشدد. وقد عبرت المقالة عن الأمل، مع التشكك، في أن يقوم الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي بتأييد الموظف الإصلاحي.

يمكن قراءة النسختين العربية والإنكليزية من هذه المقالة على الموقع
http://www.rsf.org/article.php3?id_article=13890.

مواقع ذات صلة:

جماعات دولية لحقوق الإنسان:

تقرير منظمة العفو الدولية

ليبيا: لقد حان الوقت لكي تصبح حقوق الإنسان حقيقة واقعة
http://web.amnesty.org/library/Index/ENGMDE190022004?open&of=ENG-LBY

تقرير منظمة مراسلون بلا حدود عن المنصوري
http://www.rsf.org/article.php3?id_article=13890

جماعات حقوق الإنسان الليبية

التضامن لحقوق الإنسان في ليبيا
www.lhrs.ch

ليبيون أمريكيون من أجل حقوق الإنسان
www.lafhr.org

مؤسسة الرقيب لحقوق الإنسان في ليبيا
www.libya-watch.org/rakenhp.html

مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية
www.gaddaficharity.org

سجل حقوق الإنسان في ليبيا تحت الأضواء


قالت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم إن احتمال انتخاب ليبيا لشغل منصب أساسي في الأمم المتحدة يوم الاثنين سوف يسلط الأضواء على سجل حقوق الإنسان لديها وعلى الجهود التي تبذلها الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان لتقويض النظام الدولي لحقوق الإنسان.

ويبدو من المؤكد أن تُنتخب ليبيا رئيساً للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وهي أعلى محفل لحقوق الإنسان في العالم، والتي ستبدأ دورتها السنوية التي تستمر ستة أسابيع في جنيف في غضون شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان. وقد رشحت المجموعة الإقليمية الإفريقية ليبيا لرئاسة اللجنة على أساس دوري؛ وعارضت بعض الحكومات ترشيح ليبيا، ومن بينها الولايات المتحدة، وربما طالبت بإجراء التصويت على المرشح، تعبيراً عن استيائها، وإن كان لا يحتمل ظهور مرشح بديل قبل يوم 20 يناير/كانون الثاني، موعد عقد الاجتماع التحضيري للجنة في جنيف.

وقد ازداد في السنوات الأخيرة تخاذل اللجنة التي تذكر أسماء الحكومات المخالفة وتدمغها بالعار، بسبب تنافس الدول ذات السجل السيء لحقوق الإنسان على عضوية اللجنة حتى تتمكن من منع توجيه اللوم لها.

وقالت جوانا ويشلر ممثلة منظمة هيومن رايتس ووتش في الأمم المتحدة "إن انتخاب ليبيا يمثل اختباراً حقيقياً للجنة، إذ لا يجب أن يُسمح للحكومات القمعية باختطاف نظام حقوق الإنسان بالأمم المتحدة". وطالبت ويشلر بأن تتحقق في البلدان التي تسعى لانتخابها المعايير التالية، كحد أدنى:
· المصادقة على المعاهدات الأساسية لحقوق الإنسان.
· الوفاء بالتزاماتها بتقديم تقارير عن مراعاتها للاتفاقيات التي صادقت علي
ها. · إصدار دعوة دائمة لزيارة المحققين التابعين للأمم المتحدة.
· ألا تكون اللجنة قد أدانتها في الماضي القريب.
وقالت ويشلر "لا يوجد بلد يتسم سجل حقوق الإنسان لديه بالكمال، ولكن على كل عضو أن يبدي، على الأقل، التزاماً حقيقياً بالتعاون مع الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان".
أما سجل حقوق الإنسان لدى ليبيا فقد كان بالغ السوء على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، فهو يتضمن اختطاف المعارضين السياسيين، أو إخفاءهم قسراً أو اغتيالهم؛ وتعذيب المعتقلين وسوء معاملتهم؛ والاحتجاز مدداً طويلة دون تهمة أو محاكمة أو بعد محاكمات بالغة الجور. ولا يزال المئات معتقلين حتى اليوم بصورة تعسفية، بعضهم لما يزيد عن عقد كامل، وتوجد بواعث قلق جادة بشأن المعاملة في الحجز وعدالة الإجراءات المتبعة في العديد من المحاكمات الذائعة الجارية حالياً أمام المحاكم الشعبية. وكانت ليبيا ولا تزال بلداً مغلقاً في وجه المحققين التابعين للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان.

وقد أشارت ليبيا منذ ترشيح الاتحاد الإفريقي لها إلى أنها سوف تدعو المحققين من الأمم المتحدة ومجموعات حقوق الإنسان الدولية لزيارتها؛ كما أعلنت عن اعتزامها مراجعة الدور المنوط بالمحاكم الشعبية التي تتسم بالجور الجسيم، بهدف إلغائها، كما أصدرت عدة مراسيم بالعفو عن السجناء.

ومع ترحيب منظمة هيومن رايتس ووتش بهذه المبادرات باعتبارها مؤشرات مهمة على نوايا ليبيا، فإنها قد دعت ليبيا رسمياً إلى إصدار دعوة دائمة إلى جميع أجهزة مراقبة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، احتذاءً بأربعين دولة من الدول الأعضاء التي سبقت إلى فعل ذلك، ودعتها رسمياً أيضاً إلى المسارعة بتقديم التقارير التي لم تقدممها حتى الآن إلى الأجهزة المنشأة بموجب معاهدات في الأمم المتحدة.
وقالت ويشلر "إن ليبيا قد أعربت عن التزامات إيجابية في محاولة ضمان انتخابها، ولكنها يجب أن تضع هذه الالتزامات موضع التنفيذ قبل أن تباشر مهام العضوية".

ومن القضايا الحساسة في دورة اللجنة هذا العام قضية تأثير الحرب ضد الإرهاب على حقوق الإنسان وأوضاع حقوق الإنسان التي لا تزال متدهورة في الشيشان، والصين، وإسرائيل، والأراضي المحتلة، وإيران. ويمكن لمن يريد المزيد من تحليلات منظمة هيومن رايتس ووتش لهذه القضية أن يزور موقعها على الإنترنت، وعنوانه:
http://www.hrw.org/mideast/libya.php

ليبيا: اعتقال كاتب إنترنت يضيق الخناق على الجدل السياسي


منعت الحكومة الليبية زيارة كان من المزمع أن يقوم بها فريق من باحثي منظمة هيومن رايتس ووتش؛ وقالت المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان اليوم إن الفريق كان يعتزم بدء زيارته لليبيا يوم الثلاثاء، وهي زيارة لتقصي الحقائق تستغرق ثلاثة أسابيع، ولكن الحكومة الليبية رفضت منحه تأشيرات الدخول.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط بمنظمة هيومن رايتس ووتش
"إن الحكومة الليبية تقول إنها تسعى للانفتاح على العالم، ولكنها تتصرف وكأن هناك الكثير مما تحرص على إخفائه؛ فهي تسمح لشركات النفط والسياح بالدخول، ولكنها تحجب منظمات حقوق الإنسان".
وقد كافأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الزعيم الليبي معمر القذافي والحكومة الليبية لنبذها الإرهاب وأسلحة الدمار الشمال، وذلك برفع العقوبات وإلغاء الحظر التجاري الذي كان مفروضاً على ليبيا. وتقاطر رؤساء الدول وكبار رجال الأعمال إلى طرابلس خلال الأشهر الأخيرة.

غير أن القمع الداخلي لا يزال شديداً؛ والقانون الليبي يحظر الأحزاب السياسية والجمعيات ووسائل الإعلام المستقلة؛ ولا يزال التعذيب متفشياً، والمئات من السجناء السياسيين يقبعون وراء القضبان بعد محاكمات معيبة إلى أقصى الحدود.

وكانت هذه الزيارة ستصبح أول زيارة تقوم بها هيومن رايتس ووتش لليبيا، بعد ما يزيد على ستة أشهر من الوعود والتسويف من جانب الحكومة الليبية. وقد قامت منظمة العفو الدولية بزيارة لليبيا استغرقت أسبوعين في فبراير/شباط، وأصدرت بعدها تقريراً انتقدت فيه نمطاً مطرداً من انتهاكات حقوق الإنسان، وتقاعس الحكومة عن التحقيق في انتهاكات الماضي، ووجود مناخ من الخوف.

وكانت هيومن رايتس ووتش تعتزم التحقيق في حالات السجناء السياسيين، ولا سيما اعتقال فتحي الجهمي و86 من الطلاب والمهنيين المسجونين لتأييدهم الجماعة الإسلامية الليبية المحظورة، المعروفة أيضاً بـ"الإخوان المسلمين"، أو تعاطفهم معها، وإيداعهم رهن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، رغم أنهم لم يُتَّهموا بالتخطيط لأعمال عنف أو ارتكابها، حسبما ورد. ويوم الأربعاء الماضي، أيدت دائرة الاستئناف "بمحكمة الشعب" - وهي محكمة استئنائية تنظر القضايا السياسية - الأحكام الصادرة ضد أفراد هذه المجموعة، بما في ذلك حكمان بالإعدام صدرا على أستاذين جامعيين.

كما كان اثنان من خبراء هيومن رايتس ووتش يعتزمان التحقيق في أوضاع الحقوق الإنسانية للمرأة، ومعاملة الحكومة للمهاجرين واللاجئين؛ إذ يتعرض طالبو اللجوء والمهاجرون، سواء المقيمون في ليببا أو العابرون منها إلى بلد آخر - وبخاصة مواطني الدول الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى - للإساءات على يد الشرطة، والاعتقال التعسفي، وظروف الاعتقال المتدنية. وبات من الشائع طرد وترحيل طالبي اللجوء والمهاجرين إلى بلدان مثل إريتريا والصومال، حيث قد يتعرضون لانتهاكات خطيرة.

وقد اقترحت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إنشاء مراكز خارجية في ليبيا للنظر في طلبات اللجوء، بالرغم من أن ليبيا لم تصدق على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وليس لديها نظام فعال للنظر في طلبات اللجوء.

ليبيا: يجب على جهاز الأمن الداخلي الالتزام بأحكام المحاكم القاضية بإخلاء سبيل 330 سجيناً


(نيويورك) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على جهاز الأمن الداخلي الليبي أن يسارع بالالتزام بأحكام المحاكم القاضية بإخلاء سبيل 330 سجيناً يحتجزهم الجهاز دون أي سند قانوني.

وكانت هيومن رايتس ووتش قد أثارت القضية مع مسؤولين أمنيين ليبيين إثر مؤتمر صحفي عقدته في طرابلس، عاصمة ليبيا، في 12 ديسمبر/كانون الأول 2009، بمناسبة إصدار تقرير عن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا. وكان استمرار احتجاز السجناء الذين تمت تبرئتهم ومن استنفدوا فترات أحكام السجن بحقهم من القضايا التي ناقشها التقرير.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "أكد لنا كلٌ من السيد أمين العدل ورئيس الأمن الداخلي أنه لا يوجد سند قانوني لاحتجاز هؤلاء الأشخاص"، وتابعت: "إن قوات الأمن تحاول بالأساس فرض رؤيتها وحُكمها الخاص على المحاكم الليبية".

وفي اجتماع مع هيومن رايتس ووتش في 12 ديسمبر/كانون الأول، أكد العميد التهامي خالد، رئيس جهاز الأمن الداخلي، أن جهازه يحتجز 330 سجيناً إما أتموا بالفعل فترة السجن المفروضة عليهم أو برأتهم المحكمة، في سجن بوسليم. وقال إن الجهاز يرى أن الرجال خطر على الأمن بسبب آرائهم الجهادية، وأن القضاة الذين أمروا بالإفراج عنهم "لا يفهمون" الموقف، وفي بعض الحالات برأوا المدعى عليهم لوجود أخطاء إجرائية. وقال: "القانون شيئ تقليدي" ولكن جهاز الأمن الداخلي "يفهم الواقع الصحيح".

كما قال العميد التهامي خالد إن 150 رجلاً على الأقل قد تم القبض عليهم إما أثناء قتالهم في العراق أو إثر عودتهم إلى ليبيا من مصر أو سوريا، وكانوا في طريقهم إلى العراق. وقال إن في حالات عديدة، بناء على طلب آباءهم، يتم وضع الرجال في برنامج "إعادة تأهيل" إجباري لإقناعهم بالتخلي عن آرائهم المتشددة. وقال إن البرنامج يساعدهم على الاندماج بالمجتمع والعثور على وظائف وسكن لدى الإفراج عنهم. وقال إنه على ثقة من أن 193 من الرجال سيتماثلون لإعادة التأهيل ويصبحون مستحقين للإفراج "خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع".

بعض هؤلاء الرجال برأتهم المحاكم في مارس/آذار 2008، أو انتهت الأحكام المفروضة عليهم بالسجن في مطلع عام 2009. ولا يوجد في القانون الليبي ما ينص على الاحتجاز الوقائي لأسباب متعلقة بالأمن القومي.

وقد أكد أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل في مناقشاته مع هيومن رايتس ووتش، أن مكتب النائب العام أمر بالإفراج عن هؤلاء السجناء لكن جهاز الأمن الداخلي رفض الالتزام بالأمر. وأوضح أن الأمن الداخلي يسيطر على سجن بوسليم. كما قال السيد أمين العدل أن القضاء ليس بوسعه الأمر بفتح التحقيق مع مسؤولين بالأمن الداخلي لأن عملاء الجهاز يتمتعون بالحصانة من الملاحقة القضائية، ما لم يأمر أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام (وزير الداخلية) برفع الحصانة. وقال أمين العدل لـ هيومن رايتس ووتش: "رجال الأمن الداخلي في ليبيا فوق القانون... هذا فساد".

ولم تمد لجنة العدل أو جهاز الأمن الداخلي هيومن رايتس ووتش بقائمة بالمحتجزين حالياً خارج إطار القانون، كما أن هذه المعلومات غير متوفرة علناً.

وطبقاً لمعلومات حصلت عليها هيومن رايتس ووتش، فإن المحتجزين بصفة غير قانونية منهم محمود بوشيمة، البريطاني الليبي المقيم في المملكة المتحدة والعائد إلى ليبيا في 17 يوليو/تموز 2005. وفي 28 يوليو/تموز 2005 اعتقلته قوات الأمن الداخلي وتحفظت عليه في سجن بوسليم. ثم نسبت إليه نيابة أمن الدولة الاتهام بالعضوية في تنظيم محظور، وهي جماعة الجهاد الإسلامي الليبية، بموجب مادة 206 من قانون العقوبات ومواد 2 و3 و4 من قانون رقم 71.

وفي 18 مارس/آذار 2006 برأته المحكمة التخصصية (قضية رقم 411/2005). وطعنت النيابة في الحُكم في 22 أبريل/نيسان 2006 وفي 20 فبراير/شباط 2007، حكمت المحكمة ثانية لصالح بوشيمة. ثم أحيلت قضيته إلى المحكمة العليا التي حكمت لصالحه في 30 مارس/آذار 2008. شقيقه المقيم في أوروبا، قال لـ هيومن رايتس ووتش إن صحته متدهورة، ويعاني من الربو وفيروس الكبد ب، والاكتئاب.

وفي تقرير سنوي جديد وهام، دعت أيضاً مؤسسة القذافي شبه الحكومية - التي يديرها سيف الإسلام القذافي، ابن القائد الليبي معمر القذافي - دعت بدورها إلى إخلاء سبيل هؤلاء الرجال. ودعى التقرير إلى "تنفيذ جميع أحكام القضاء"، مشيراً إلى أن عدم احترام سيادة القانون يستدعي إلى التساؤل "عن الشرعية التي تبقى أية حكومة تقليدية أو شعبية في مهامها المكلفة بها في ظل عجزها عن تنفيذ أحكام القضاء؟، ومن سؤال أعمق وهو من يدير دواليب الدولة، هل اللجنة الشعبية العامة أم جهات أخرى؟"

ليبيا: يجب تبرئة الصحفي من التهم المنسوبة إليه


(نيويورك، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2009) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على الحكومة الليبية أن تحقق في مزاعم التحرش الجنسي في دار رعاية اجتماعية تديرها الدولة للنساء اليتامى منذ الطفولة، لا أن تنسب الاتهام الجنائي بالتشهير إلى الصحفي الذي غطى الأحداث.

وكان محمد الصريط، الصحفي الليبي، قد كتب على موقع جيل ليبيا الإخباري المستقل - ومقره لندن - في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2009، عن مظاهرة نادرة من نوعها في بنغازي في ذلك اليوم، ونظمتها نساء يعشن في دار رعاية تديرها الدولة للنساء والفتيات اليتامى، مطالبات بعودة المدير السابق للدار و بوقف التحرش الجنسي الذي قُلن إنهن تعرضن له في الدار. وبعد نشر التغطية، استدعت الشرطة - ثم بعد ذلك النيابة - الصريط للتحقيق ونسبوا إليه الاتهام بالتشهير.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ينبغي على ليبيا التحقيق في مزاعم الإساءات وأن تكفل الحماية لهؤلاء النساء، بدلاً من ترهيب الرجل الذي كتب عنهن". وتابعت: "يجب ألا يشعر الصحفيون بتهديد العقوبات الجنائية يحلّق فوق رؤوسهم لمجرد أداءهم لعملهم".

وفي مظاهرة 21 أكتوبر/تشرين الأول، مرت عشر نساء وفتيات على الأقل، تتراوح أعمارهن بين 18 و27 عاماً، ويقمن في دار الرعاية، عبر شوارع بنغازي إلى الجهة المشرفة على الدار، وهو صندوق التضامن الاجتماعي، ورفعن لافتات يطالبن فيها بإعادة المدير السابق للدار، وقالت المتظاهرات إنه كان يحسن معاملتهن ويحميهن.

وقالت عدة نساء للصحفيين الليبيين إن المسؤولين الذين يديرون الدار تحرشوا بهن جنسياً وسمحوا لضباط الأمن بالدخول إلى حجراتهن ليلاً. وقالت امراة منهن إن مسؤولاً عرض عليها نفسه وهددها بالضرب إذا لم تذعن لإيحاءاته الجنسية. وإلى جانب جيل ليبيا، قام موقع ليبي آخر بتغطية الموضوع، وهو ليبيا اليوم، الذي نشر صور للمظاهرة ومقابلات مع بعض نزيلات الدار.

وكانت الشرطة المحلية قد استدعت الصريط في 22 أكتوبر/تشرين الأول، إلى مركز شرطة الحدائق للاستجواب. وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، استدعاه مكتب النائب العام لمزيد من التحقيقات ونسب إليه الاتهام بالتشهير، وهو ما يُعاقب عليه بالسجن. و قال مدير جيل ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش إن الصريط تلقى تهديدات بحرق منزله لترهيبه كي يتراجع عمّا ورد في مقاله.

وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول، اتصلت بعض النساء المذكورات بموقع إخباري ليبي، هو المنارة، وأنكرن أن المسؤولين في الدار تحرشوا بهن جنسياً. موقع ليبيا اليوم ذكر أن المسؤولين هددوا بطرد المتظاهرات من المركز، وضغطوا عليهن للتراجع عن أقوالهن وبمقاضاة الصريط بتهمة التشهير. وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، نشرت صحيفة قورينا - واحدة من صحيفتين خاصتين على صلة بسيف الإسلام القذافي ابن الزعيم الليبي معمر القذافي - موضوعاً، أنكرت فيه عدة نساء وقوع أي تحرش جنسي بحقهن. ونقلت الصحيفة قولهن: "نحن الآن شبه معدومات للشرف في نظرة المجتمع بعد ما فعله ذاك الصحفي".

وفي أثناء زيارة هيومن رايتس ووتش لليبيا في عام 2005، خلصت المنظمة إلى وجود إنكار رسمي معمم لوجود العنف ضد المرأة في ليبيا، ونقص في القوانين والخدمات المطلوبة، مما يخلف ضحايا العنف دون الحصول على الانتصاف الفعال أو إجراءات للردع. وقد واجه مجموعة من الطلاب عكفوا على إعداد دراسة عن التحرش الجنسي في طرابلس في أبريل/نيسان 2009 صعوبات جمّة في إقناع النساء بالتحدث عما يتعرضن له، إذ أحست بعض النساء بأن ما سيذكرنه سيصمهن بالعار.

وعلى الدول الالتزام بالتحقيق في التحرش الجنسي ومنعه، وهو أحد أشكال العنف ضد المرأة. وليبيا تُعد من أول الدول المصدقة على بروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في أفريقيا، والمادة الثامنة منه تطالب الدول الأطراف بتبني الإجراءات المطلوبة لمنع جميع أشكال العنف ضد المرأة ومعاقبة مرتكبها والقضاء عليها. والعنف ضد المرأة من أشكال التمييز المحظورة طبقاً لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وطبقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وليبيا دولة طرف فيهما. كما أن الميثاق الأفريقي والعهد الدولي يطالبان ليبيا بحماية حرية التعبير. وينبغي أن يتسنى للصحفيين تغطية ما شاءوا من أحداث دون خشية من الحبس جراء كتاباتهم.

وقالت سارة ليا ويتسن: "الرفض الرسمي والقمع الموجه للصحفيين ليس بالأسلوب الأمثل لحماية النساء في المجتمع الليبي". وأضافت: "يجب تشجيع النساء على تقديم شكايات التحرش الجنسي وغيره من أشكال العنف، كي يتسنى للحكومة التحرك لمنع الإساءات".

هامش حرية التعبير في ليبيا تحت الاختبار

طرابلس - على مدار أيام قبل وصولنا إلى ليبيا لعقد أول مؤتمر صحفي تشهده البلاد عن حقوق الإنسان، رحت أتلقى الرسائل والمكالمات من ليبيين. فالمنشقون بالخارج حذروني من أن المؤتمر الصحفي فخ منصوب، وأن لا أحد سيتمكن من طرح أسئلة حقيقية. وسألني ليبيون في طرابلس عن التصاريح والأوراق التي يحتاجونها للوصول إلى قاعة المؤتمر الصحفي، وطلب مني سجناء سابقون وسيلة للاتصال بي، في حالة ما إذا أوقفهم أمن الفندق. كان حماس محسوساً يغمر الأجواء بسبب هذا المؤتمر الصحفي، الأول من نوعه لمنظمة مستقلة غير حكومية في ليبيا، وكان بمثابة الاختبار لهامش حريات جديد ما زال هشاً.

البداية كانت مُقلقة، فالليلة السابقة على المؤتمر أوقف رجال الأمن الداخلي ثلاثة من أعضاء اللجنة الممثلة لأهالي السجناء المقتولين في مذبحة سجن بوسليم عام 1996، ومنعوهم من استقلال طائرة من بنغازي إلى طرابلس. وتم إيقاف اثنين آخرين على مسافة 350 كيلومتراً من بنغازي وأُمروا بعدم الاقتراب من طرابلس لمدة أسبوع. وتم إيقاف سجين سياسي سابق أمام الفندق وأُمر بالتوجه إلى بيته. ولم يتمكن أي من الصحفيين الدوليين من الحصول على تأشيرة دخول، سوى واحد.

تحدثنا بشكل واضح عن الإطار القانوني القمعي الذي يقيد حرية التعبير ويحظر عمل المنظمات المستقلة. وانتقدنا الأجهزة الأمنية جراء ما تقوم به من "إنفاذ للقانون" بشكل غير قانوني. وتحدثنا عن حق أهالي ضحايا مذبحة سجن بوسليم في معرفة حقيقة ما حدث، ورؤية الجناة يُعاقبون، والحصول على رفات أقاربهم الضحايا لدفنهم دفنة كريمة. كنا نعرف أن قاعة المؤتمر الصحفي ستكون عامرة برجال الأمن وأن من يحضرون قد يخشون طرح الأسئلة.

لكنهم تحدثوا. بعد بعض الأسئلة من صحفيين ليبيين مستقلين، رفع أول من حضروا من أهالي الضحايا يده بشجاعة ليقص قصة شقيقه الذي قُتل في مذبحة سجن بوسليم. إذ رفع صورة شقيقه وتحدث عن مكابدة ألم عدم معرفة مصيره طيلة 15 عاماً، وقال إنه حصل أخيراً على شهادة وفاة هذا العام، لا توجد فيها معلومات عن كيفية وفاة الشقيق. وبعد المؤتمر الصحفي قال إن رجال الأمن في القاعة استدعوه للاستجواب. وتمكن من العودة إلى بيته في بنغازي بأمان.

من صعب التوصل إلى استنتاجات عن أهمية وآثار مؤتمر صحفي واحد، أو ما إذا كان بشيراً بإصلاح سياسي حقيقي، نظراً لافتقاد الشفافية في دوائر صنع القرار الليبية. فصناعة القرار شخصية للغاية، من ثم فإن أي تحسنات تطرأ بصفة غير مقننة يمكن سحبها في أي وقت، مما يجعل المستقبل غير قابل للتنبؤ أو الاستشراف. وما زال المعلقون الليبيون يتجادلون حول هذه النقطة في مواقع لا حصر لها على الإنترنت. وقال لي أحد المحامين: "لا نفهم سبب وجود هذا الهامش المتاح لنا... ولقد كففت عن محاولة الفهم، لأن الأمر يتعلق بالرؤى والقرارات الشخصية لا أكثر. كل ما أعرفه أنهم ما إن يفسحون المجال بعض الشيء، فإننا ننتهز الفرصة ونضغط لتحقيق بعض المطالب المحددة، وأحياناً ما تحدث إصلاحات صغيرة".

لكن الواضح وما لا يوجد خلاف حوله هو شجاعة هؤلاء الأشخاص في ليبيا ممن يخاطرون؛ الكتاب من قبيل جمال الحاجي المسجون جراء شكوى قدمها عن تعرضه للتعذيب، والصحفيون الذين يُخضعون أنفسهم للمساءلة الجنائية جراء ما يكتبون، والسجناء السابقون الذين يناضلون للحصول على التعويض والإنصاف، والمحامون الذين يدأبون على الإفراج عن موكليهم بناء على أسباب إجرائية، ونضال أمين العدل من أجل الحفاظ على سيادة القانون، وأهالي بوسليم الذين ورغم معاناتهم الطويلة - أو ربما بسببها - مستعدون للمخاطرة بالتعرض للاعتقال مقابل مطالبتهم بالعدالة والكرامة علناً. ففي مواجهة قوانين تفرض عقوبات مشددة على من ينتقد المسؤولين ورجال الأمن أصحاب الحضور القوي، الذين يعملون على استمرار معاناة المنتقدين من الخوف على سلامتهم، نجد أن شجاعة هؤلاء مدهشة.

لسنوات كان الليبيون يخشون التواصل مع العالم الخارجي خوفاً من خطر السجن بموجب قوانين تحظر "تشويه سمعة ليبيا" أو " التخابرمع مسؤولين أجانب".

لهؤلاء الليبيون الذين حاولوا السفر إلى طرابلس للقاءنا، ومن تحدثوا علناً في مؤتمرنا الصحفي، ومن اتصلوا بنا أو أرسلوا إلينا رسائل البريد الإلكتروني وجاءوا لمقابلتنا رغم خطر المراقبة والمتابعة الأمنية: إنني أحيّيكم .

هبه مرايف باحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش

ليبيا: يجب وضع حد لحجب المواقع الإلكترونية المستقلة

نيويورك، 3 فبراير/شباط 2010) - قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن تحركات ليبيا أواخر يناير/كانون الثاني 2010 لحجب على الأقل سبعة مواقع إلكترونية مستقلة ومواقع معارضة ليبية بالخارج وكذلك حجب موقع "يوتيوب"، هي خطوة مقلقة تنأى بالبلاد عن حرية الصحافة. وعلى الحكومة أن تعاود السماح للمواقع الإلكترونية ببث محتواها، على وجه السرعة.

وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "هذه المواقع كانت البادرة الوحيدة على وجود بعض التقدم الملموس في حرية التعبير في ليبيا". وتابعت: "وها هي الحكومة تعود إلى زمن الرقابة الإعلامية الشاملة المظلم".

وفي 24 يناير/كانون الثاني، استيقظ الليبيون على حجب المواقع الليبية المستقلة والمُعارضة التي تبث محتواها من الخارج، مثل موقع ليبيا اليوم والمنارة وجيل ليبيا وأخبار ليبيا وليبيا المستقبل، وكانت قد أصبحت المصادر الأساسية للأخبار. ومع وجود محررين لهذه المواقع في الخارج وصحفيين يعملون بها في طرابلس وبنغازي، دأبت هذه المواقع على نشر الأخبار عن القضايا السياسية الحساسة، ومنها انتهاكات حقوق الإنسان على يد الحكومة الليبية. وفي تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2009 بعنوان "الحقيقة والعدالة لن تنتظر"، أشارت إلى تواجد هذه المواقع وقدرة الصحفيين فيها على العمل من داخل ليبيا كدليل على وجود بوادر حذرة لاتساع هامش حرية الصحافة.

فضلاً عن أنه قد تم حجب موقع"يو تيوب" بالكامل عن ليبيا، الذي ظهرت عليه أخيراً تسجيلات فيديو لمظاهرات في بنغازي نظمها أهالي السجناء القتلى في سجن بوسليم عام 1996، وهي أعمال القتل التي لم تحقق فيها السلطات حتى الآن، وكذلك تسجيلات فيديو لأفراد من أسرةالقائد معمر القذافي في بعض الحفلات.


وقد بدأت مجموعة من المدونين والصحفيين والحقوقيين الليبيين في حملة على موقع فيس بوك الاجتماعي باسم "لا لسياسة الحجب في ليبيا" وأعلنوا عن مواقع مضيفة بديلة للدخول إلى المواقع الإلكترونية المحجوبة. وقالت المدونة الليبية غيداء التواتي لـ هيومن رايتس ووتش إن المجموعة تقدمت بشكوى لجمعية حقوق الإنسان بمؤسسة القذافي ولشركة إل تي تي، موفر خدمة الإنترنت الأساسي في ليبيا. وقال محررو المواقع المحجوبة إن الناس في ليبيا ما زالوا يطّلعون على مواقعهم من خلال مواقع مضيفة بديلة، رغم تراجع عدد الزائرين.

وقالت سارة ليا ويتسن:"يمكن لليبيا أن تدفن رأسها في الرمال وتحاول حجب تدفق المعلومات الإلكترونية الحر إلى مواطنيها، لكن الخبر السعيد هو أننا جميعاً نعرف أنها ستفشل في هذا". وأضافت: "سواء في الصين أو السعودية أو ليبيا، يجد المواطنون دائماً سبلاً لتبادل المعرفة والمعلومات، بموافقة الحكومة أو دونها".

و فى تطور أخر أعلنت الصحيفتان أويا وقورينا في 21 يناير/كانون الثاني أنهما ستصدران على الإنترنت فقط دون النسخةالمطبوعة، إثر قرار من الهيئة العامة للصحافة برفض استمرارها في الطباعة للصحيفتين"لأسباب مالية." وقف طباعة الصحيفتين الخاصتين في ليبيا يثير بواعث قلق جدّية بشأن القدرة على الحصول على المعلومات في ليبيا. محمد بعيو، رئيس الهيئةالعامة للصحافة، قال لقناة الجزيرة في 21 يناير/كانون الثاني إن الهيئة ستكف عن نشر الصحيفتين أويا وقورينا لعدم سداد شركة الغد، التي تملك الصحيفتين، لديون بمبلغ 3 ملايين دينار ليبي (2.4 مليون دولار أميركي) تكاليف طباعة.


وفي تصريح أدلت به الهيئةالعامة للصحافة في 23 يناير/كانون الثاني، قالت إنها مستمرة في "دعم"أويا وقورينا رغم الكثير من "الانحرافات المهنية والموضوعية" التي قالت إن عملها يتسم بها، لكنها لن تطبع الصحيفتين بسبب الدين المزعوم. ولم تعلن على الملأ عن أية معلومات عما إذا كانت الصحيفتين تطعنان في هذه الديون، أو منذ متى وهذه الديون قائمة، أو عن أية محاولات لتسوية هذه المشكلة المالية.


لكن المنظمة الوطنية للشباب الليبي، المقربة لشركة الغد، انتقدت بقوة القرار في بيان صادر يوم 27 يناير/كانون الثاني، قائلة بأن مزاعم الهيئة العامة للصحافة بالديون والمشاكل المالية غير حقيقية. وقالت إن السبب وراء رفض الهيئة الاستمرار في طباعة أويا وقورينا هو الأخبار "غير المصرح بها" التي نشرتها أويا، عن أن محمد الزوي، المقرب من القائد الليبي، سوف يتولى أمانة المؤتمر الشعبى العام.

و أكد رئيس تحرير جريدة أويا محمود البوسيفي لـ هيومن رايتس ووتش أنه سيتم اعادة طباعة الجريدة ولكن فى ملاحق بدءا من الأسبوع القادم.



وكانت شركة الغد - الشركةالليبية الخاصة المنتمية إلى سيف الإسلام القذافي - قد بدأت نشر أويا وقورينا في أغسطس/آب 2007. وهما أول صحيفتان خاصتان في ليبيا منذ مجيئ القذافي إلى سدة الحكم. وكتبت الصحيفتان عن الفساد وانعدام استقلال القضاء، والمظاهرات التي نظمها أهالي السجناء القتلى في مذبحة سجن بوسليم. وفي نوفمبر/تشرين الثاني نشرت أويا مقابلة مع أمين العدل مصطفى عبد الجليل، وانتقد فيها الأجهزة الأمنية على إخفاقها في احترام سيادة القانون، قائلاً بأن هناك "أكثر من 500 سجين برأتهم المحاكم في يونيو/حزيران 2008 ولم يُفرج عنهم بعد".

وقالت سارة ليا ويتسن:"على السلطات الليبية أن تزيد عدد الصحف الخاصة لا أن توقف توزيعها".

وينتهك حجب المواقع الإلكترونية والتضييق على نشر الصحف التزامات ليبيا بموجب القانون الدولي، على حد قول هيومن رايتس ووتش. فالمادة 9 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي صدقت عليه ليبيا في 1986، تضمن أنه "من حق كل فرد أن يحصل على المعلومات"،و"يحق لكل إنسان أن يعبر عن أفكاره وينشرها فى إطار القوانين واللوائح".
وبصفة ليبيا دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فهي مُلزمة بموجب المادة 19 بضمان حق الفرد في "التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".وقالت هيومن رايتس ووتش إن حجب المواقع الإلكترونية التي تعرض محتوى انتقادي للحكومة هو قيد غير شرعي على الحق في حرية التعبير.

الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان

حملت ليبيا على امتداد العقود المنصرمة إرثاً ثقيلاً من ممارسات انتهاك حقوق الإنسان.[119] ولقد سعى غالبية من استهدفهم النظام الليبي من المنشقين عليه للحصول على حق اللجوء خارج البلاد، وعلى الرغم من هذا فلا يزال العديد منهم في طي الخفاء. وحتى الآن لم تشرع الحكومة الليبية في التعاطي مع مسألة الانتهاكات التي وقعت في الماضي سواء بالتحقيق أو بالملاحقة القانونية. وتعد واحدة من أشد حوادث الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان خطورة، والتي صارت رمزاً لتلك الانتهاكات في ليبياً، تلك التي وقعت في عام 1996، حيث قتل نحو 1200 من السجناء داخل سجن بوسليم بصورة جماعية.
أعمال القتل في سجن بوسليم عام 1996
تم في سجن بوسليم قتل ما يقدر بـ 1200 من السجناء، وذلك يومي 28 و29 يونيو/حزيران من عام 1996. ولقد ورد هذا الرقم بصورة علنية للمرة الأولى على لسان حسين الشافعي، وهو أحد السجناء السابقين، وكان يعمل بالمطبخ في سجن بوسليم. وقد قام بحساب هذا الرقم بناء على إحصائه لعدد الوجبات التي قام بإعدادها قبل هذا الحادث ومن ثم في أعقابه.[120] هذا الرقم أكده أيضاً أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل في ليبيا لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2009،[121] كما أكده بيان صحفي صدر عن مؤسسة القذافي في 10 أغسطس/آب 2009 حدد عدد القتلى بـ 1167 شخصاً.[122]
ولقد قامت هيومن رايتس ووتش في يونيو/حزيران 2004 ومجدداً في يونيو/حزيران 2006 بمقابلة حسين الشافعي، السجين السابق ببوسليم، والمتواجد حالياً بالولايات المتحدة، والذي يدعي أنه شهد عمليات القتل. وفي حين أن المنظمة لم تتمكن من التحقق من دعاواه بشكل مستقل، إلا أن تلك الدعاوى تتفق في العديد من التفاصيل مع الروايات التي أدلى بها سجناء سابقون آخرون.
وطبقاً لما أدلى به الشافعي، فلقد بدأ الحادث في حوالي الساعة 4:40 من بعد ظهر يوم 28 يونيو/حزيران، عندما قام السجناء بالمبنى رقم 4 باحتجاز أحد الحراس واسمه عمر، كان مكلفاً بتقديم الطعام لهم. في حين فر المئات من السجناء من زنازينهم بالمباني 3، 5، 6 وقد تملكهم الغضب بسبب تقييد الزيارات الأسرية لهم فضلاً عن رداءة أحوال إعاشتهم التي ازدادت سوءاً عقب فرار بعض السجناء في العام السابق. وفي مقابلته مع هيومن رايتس ووتش قال الشافعي:
بعد خمس أو سبع دقائق من بداية الأحداث، شرع الحراس في إطلاق النار من فوق الأسطح صوب السجناء – لقد أطلقوا النار على السجناء الذين كانوا في المناطق المكشوفة، وكان هناك 16 أو 17 من الجرحى بسبب الأعيرة النارية. و كان محمود المسيري أول من قضى نحبه. وقد أخذ السجناء اثنين من الحراس كرهائن.
ومضي الشافعي قائلاً أنه بعد ذلك بنصف ساعة حضر اثنين من مسؤولي الأمن رفيعي المستوى هما عبد الله السنوسي، المتزوج من شقيقة زوجة القذافي، ونصر المبروك، في سيارة من نوع "أودي" ذات لون أخضر داكن تصحبهم فرقة من أفراد الأمن. ثم أصدر السنوسي أمراًَ بوقف إطلاق النار مطالباً السجناء بتعيين أربعة ممثلين عنهم لإجراء المفاوضات، فاختار السجناء كل من محمد الجويلي، ومحمد غلايو، ومفتاح الداودي، ومحمد بوسدره.
وطبقاً لما أدلى به الشافعي، الذي قال بأنه راقب المفاوضات وتنصت عليها من المطبخ، فقد طلب السجناء من السنوسي توفير ملابس نظيفة، والتريض خارج الزنازين، ورعاية طبية أفضل، والسماح للأسر بالزيارة، والحق في نظر قضاياهم أمام المحاكم؛ إذ أن العديد من السجناء كانوا قد أودعوا السجن بلا محاكمة، فأجاب السنوسي بأنه سينظر في الظروف الصحية إلا أنه يتعين على السجناء العودة إلى زنازينهم وإطلاق سراح الرهينتين. فوافق السجناء وقاموا بإطلاق سراح واحد من الحراس واسمه عطية، إلا أن الحارس عمر كان قد فارق الحياة.
قام أفراد الأمن برفع جثث أولئك الذين قتلوا، وإرسال الجرحى للرعاية الطبية، في حين استقل حوالي 120من السجناء ثلاثة من الحافلات فيما بدا ظاهرياً أنه بغرض نقلهم للمستشفى. وطبقاً لما أدلى به الشافعي فإن الحافلات قد أقلت السجناء إلى المنطقة الخلفية من السجن.
وفي حوالي الساعة الخامسة من صباح يوم 29 يونيو/حزيران قام أفراد قوات الأمن بإجراء حركة تنقلات لبعض من السجناء فيما بين القسمين المدني والعسكري من السجن. وعند الساعة التاسعة صباحاً كانوا قد دفعوا بمئات من السجناء قسراً من المباني 1، 3، 4، 5، 6 إلي أفنية مختلفة، وقاموا بنقل السجناء الأقل خطورة أمنياً في المبنى 2 إلى القسم العسكري، بينما أبقوا على سجناء المبنيين 7 و8 من نزلاء الزنازين الانفرادية في الداخل. وقد روى الشافعي، الذي تواجد خلف مبنى الإدارة مع آخرين من العاملين بالمطبخ، لـ هيومن رايتس ووتش، ما حدث بعد ذلك قائلاً:
في الساعة الحادية عشر ألقيت قنبلة داخل أحد الأفنية، لم أر من ألقى بها إلا أنني على يقين من من كونها قنبلة. فقد سمعت انفجاراً أعقبه مباشرة إطلاق مستمر للنيران من أسلحة ثقيلة وبنادق كلاشنيكوف من على قمم الأسطح. وتواصل إطلاق النيران من الساعة 11:00 وحتى الساعة 1:35.
واستطرد قائلاً:
لم أتمكن من رؤية القتلى من السجناء الذي أطلقت عليهم النيران، غير أنه أمكنني رؤية أولئك الذين كانوا يطلقونها. لقد كانوا من وحدة خاصة وكانوا يعتمرون قبعات عسكرية ذات لون كاكي. ستة منهم كانوا يستخدمون الكلاشنيكوف.
لقد رأيتهم – ستة رجال على الأقل – فوق أسطح مباني الزنازين. كانوت يرتدون زياً ذا لون كاكي يميل للبيج ومناديل خضراء يرتدونها على نحو شبيه بالعمامة.
وفي حوالي الساعة 2:00 من بعد الظهر. شرعت القوات في استخدام المسدسات "للانتهاء من أولئك الذين لم يكونوا قد ماتوا بعد.
وفي حوالي الساعة 11:00 من صباح اليوم التالي، 30 يونيو/حزيران، قامت قوات الأمن بإزالة الجثث مستخدمة في ذلك عربات اليد، وقام أفرادها بإلقاء الجثث في خنادق يتراوح عمقها بين 2 إلى 3 أمتار، وبعرض متر واحد وطول يبلغ 100 متر كان قد تم حفرها لبناء جدار جديد. وجاء فيما قاله الشافعي: "طلب مني حراس السجن أن أقوم بغسل الساعات التي انتزعت من جثث السجناء الموتى وكانت مكسوة بالدماء".
ولقد ذكر أحد أفراد أسرة سجين من سجناء بوسليم الذين قضوا في الحادث، في إفادة لهييومن رايتس ووتش ما أخبره به سجين سابق ممن كانوا في قسم آخر من السجن آنذاك قائلاً:
لقد انتقل وآخرون إلي زنازين أولئك السجناء الذين رفضوا التحرك. ويقول إنهم عثروا على شعر وجلد ودماء لأشخاص وقد انتثرت على الجدران. ورأوا جزءاً من فك أحد الرجال ملقى فوق الأرضية. فعلى الرغم من أنهم قد قاموا بإزالة آثار الجثث إلا أنهم لم يقوموا بالعمل على أكمل وجه، ولذا بقيت الآثار على الجدران وفوق الأرضيات.[123]
إن قتل 1200 سجين في بوسليم لأمر يرقى لحد انتهاك الحق في الحياة بالمعنى الوارد في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولأحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الذي توافق عليه المجتمع الدولي. بل وقد يرقى لمستوى الجريمة ضد الإنسانية، وهي واحدة من أشد الجرائم خطورة في القانون الدولي.[124]

إضافة إلي ما سبق، فإن سجناء بوسليم كانوا قد أخضعوا في معظم الحالات للاعتقال التعسفي الذي يمثل انتهاكاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك للاختفاء القسري.
وليبيا هي إحدى دولتين عربيتين (إذ أن الجزائر هي الدولة الأخرى) موقعتين على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يسمح للأفراد بالاتصال مباشرة باللجنة المختصة بمراقبة تنفيذ ذلك العهد بشأن أي دعاوى بنكث بنوده.[125] وقد خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2007 إلى تحميل ليبيا مسؤولية الاعتقال بصورة غير قانونية، والتعذيب، والاختفاء القسري بحق أبو بكر الهسي، الذي تم توقيفه بصورة تعسفية ووضعه رهن الاعتقال ببوسليم في عام 1995، حيث بقي مكان وجوده مجهولاً لمدة 11 عاماً تالية حتى تقدم شقيقه بدعواه أمام اللجنة.[126] كما خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى مسؤولية ليبيا عن التعذيب، والاختفاء، والإعدام التعسفي في دعوى العلواني ضد ليبيا وذلك في بيانها رقم 1295\2004.[127] وقد تبين لها أن ليبيا قد انتهكت المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فيما يتعلق بالحق في الحياة:
تراعي اللجنة طبقاً للوقائع أن كاتب الشكوى قد تلقي في وقت ما من عام 2003، شهادة وفاة أخيه خلو من أي إيضاحات حول تاريخ الوفاة بالتحديد أو سببها أو مكان حدوثها أو أية معلومات بشأن أية تحقيقات كان على الدولة الطرف توليها. فضلاً عن هذا فإن الدولة الطرف لم تنف أن اختفاء شقيق كاتب الشكوى وما أعقبه من وفاة قد تسبب فيهما أفراد ينتمون إلى قوات الأمن التابعة للحكومة.
وينص التعليق العام رقم 6 على المادة 6 على أنه "تعد الحماية ضد الحرمان التعسفي من الحياة، تلك الحماية التي تقتضيها صراحة الجملة الثالثة من المادة 6 (1)، أمراً بالغ الأهمية. وترى اللجنة أنه يتعين على الدول الأطراف أن تتخذ من التدابير ما لا يحول دون الحرمان من الحياة بسب الأعمال الإجرامية والمعاقبة على ذلك الحرمان وحسب، بل إن عليها أيضاً منع القتل التعسفي على أيدي قوات الأمن التابعة للدولة ذاتها. ويعد الحرمان من الحياة بواسطة السلطات التابعة للدولة مسألة في قمة الخطورة."
من الإنكار الرسمي إلى اعتراف المتمنع
دام إنكار المسئولين الليبيين لوقوع أية أعمال قتل على الإطلاق في بوسليم أعواماً. ثم جاء أول اعتراف علني في ابريل/نيسان 2004 حين أقر الزعيم الليبي معمر القذافي علانية بوقوع أعمال القتل في بوسليم وقال أن لأهالي السجناء الحق في معرفة ما حدث. وفي 26 يوليو/تموز 2008 ألقى سيف الإسلام القذافي خطاباً ذكر فيه أعمال القتل في بوسليم قائلاً:
التحقيق الأول انتهى، وتحول إلى النيابة، والنيابة تبدأ التحقيق واستدعاء وكذا، ولن تطول، وسوف تذهب إلى المحكمة وتصدر فيها أحكام، وهذه يكون فيها قضاة محترمون نزيهون، وتكون محكمة فيها مراقبون، الناس كلهم يحضرون، الأسر ستحضر، والصحافة والجمعيات الأهلية والحقوقية، والسفراء، وكل واحد يواجه الحقيقة [128] .
لم تصدر أية رواية رسمية عن الأحداث التي وقعت في سجن بوسليم وليس هناك ما يدل على إجراء أية تحقيقات في الأحداث على الإطلاق. وطبقاً لقانون السجون الليبي رقم 47 لعام 1975، فإنه يتعين على الحكومة الإخطار الفوري لأسرة أي نزيل في حالة وفاته، كما أنه يتعين عليها إعادة جثمانه إذا ما طلب منها ذلك.[129]وفي شهر مايو/أيار 2005 صرح التهامي خالد، رئيس جهاز الأمن الداخلي، لـ هيومن رايتس ووتش بأن الحكومة قد قامت بفتح تحقيق في حادثة عام 1996، وأنكر وقوع أية جرائم كما قال هيومن رايتس ووتش: " عندما تفرغ اللجنة من أعمالها، إذ أنها قد بدأت بالفعل، سوف نصدر بياناً تفصيلياً يجيب على كافة التساؤلات."[130]

بعد مضي أربعة أعوام، وفي 25 أبريل/نيسان 2009، توجهت هيومن رايتس ووتش بالسؤال إلى العميد عبد الفتاح العبيدي، أمين الأمن العام، بخصوص التحقيق فأجاب بأنه كان "لايزال يسير قدماً" وأن الأمر قد أصبح في يد أمين العدل.[131]عقب ذلك بيوم واحد، حين قامت هيومن رايتس ووتش بمقابلة أمين العدل، مصطفى عبد الجليل، أفاد قائلاً "لم يجر أي تحقيق بشأن ذلك الحادث حتى هذه اللحظة."[132]
ويعكس تصريح أمين العدل لـ هيومن رايتس ووتش كونه أحد السلطات الليبية الساعية للتعامل مع الموضوع من خلال الإطار القانوني. كما يعكس أنه حتى أمين العدل ذاته لم يكن بإمكانه أن يحصل من وكالة الأمن الداخلي على كافة المعلومات ذات الصلة بأعمال القتل في بوسليم. وقد جاء فيما ذكره أمين العدل، مصطفي عبد الجليل، خلال مقابلة صحفية وافق على إجراءها لصالح مجلة "ليبيا اليوم" في 28 أبريل/نيسان 2008، أن وزارته كانت قد طلبت من الأمن الداخلي قائمة بأسماء أولئك الذين قضوا في حادثة عام 1996 إلا أن الوزارة لم تتمكن من الحصول على المعلومات الدقيقة.[133]
وفي مارس/آذار 2007 قامت مجموعة قوامها 30 من الأسر في بنغازي برفع دعوى مدنية أمام محكمة شمال بنغازي لإجبار الحكومة الليبية على الكشف عن مصائر المعتقلين من أقربائهم. وقد كان ذلك التحرك الجماعي هو الأول من نوعه من قبل الأسر، إذ أنه قبل ذلك، وطبقاً لما ذكره لـ هيومن رايتس ووتش واحد من أفراد الأسر المشاركة فإن "العديد من الأسر كان يعتريها الخوف الشديد من اتخاذ إجراء ما".[134] وقد رفضت المحكمة في بادئ الأمر قبول دعواهم لأسباب إجرائية، حيث قضت في 24 يونيو/حزيران 2007 بعدم اختصاصها قضائياً بالنظر في القرارات الإدارية. وقد استأنفت الأسر هذا القرار، فصدر قرار المحكمة في 19 أبريل/نيسان 2008 لصالح الأسر بقبول الاختصاص القضائي. وبتاريخ 8 يونيو/حزيران 2008، أصدرت محكمة شمال بنغازي قرارها لصالح الأسر وجاء فيه:
تأمر المحكمة المدعى عليهم الأول والثاني والثالث [أي رئيس الوزراء، وأمين الأمن العام، وأمين العدل]، بالكشف عن مصير المعتقلين التالي بيانهم ومكان اعتقالهم وأسباب اعتقالهم، وإخطار المدعين رسمياً بمصيرهم.[135]
غير أن المحكمة لم تتعرض للمسائل الأكثر عمومية المتصلة بمبدأ الخضوع للمحاسبة، فلم تقم ببحث ما إذا كان هناك تحقيق قد أجري، ولا هي أصدرت أوامرها بالملاحقة القانونية لمن يتحملون المسؤولية. وبالرغم من أن قرارها كان بمثابة انتصار للأسر، لكونه الاعتراف الرسمي الأول بمشروعية مطالبهم، إلا أن المحكمة ظلت غير قادرة أو غير راغبة في أن تأمر بفتح تحقيق شامل في أحداث بوسليم.
في مقابلة صحفية مع قورينا، وهي إحدى الصحيفتين المملوكتين ملكية خاصة في ليبيا، خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2008، قال أمين العدل الليبي مصطفى عبد الجليل أنه قد ناشد اللجنة الشعبية العامة (أي مجلس الوزراء) وضع قرار المحكمة موضع التنفيذ.[136]وقد كان في أعقاب قرار المحكمة هذا أن بدأت الحكومة جدياً في عملية إخطار الأسر بوفاة أقربائهم وذلك بإصدار شهادات الوفاة وبتقديم التعويضات (الدية).

في سياق التعتيم الرسمي المستمر المحيط بأعمال القتل في بوسليم، يعد الإفراج عن السجين محمد بوسدرة في يونيو/حزيران 2009 حدثاً ذا أهمية، فباعتباره واحداً من الشهود الرئيسيين على القتل الجماعي الذي أنكرت السلطات وقوعه على الإطلاق، كان بقائه معتقلاً لأجل غير مسمى أمراً يتوقعه غالبية الناس. فلكونه واحداً من الشخصيات التي تحظى بالاحترام في السجن، كان بوسدرة أحد ممثلي السجناء الذين قاموا بالتفاوض حول مطالبهم مع المسئول الأمني الكبير عبد الله السنوسي، كما يعتقد أنه قد شهد ما تكشف بعد ذلك من أحداث. وكانت قوات الأمن قد قامت باعتقاله وأشقائه الأربعة في 19 يناير/كانون الثاني 1989 في البيضاء ومن ثم أخذته إلى سجن بوسليم. وقد تم الإفراج عن أشقاء بوسدرة بعد قضائهم ستة أعوام رهن الاعتقال دون توجيه أية إتهامات. وفي عام 1999، أي بعد مضي أكثر من عشرة أعوام على اعتقاله، حاكمت محكمة الشعب بوسدرة وقضت بسجنه مدى الحياة. وعقب إلغاء تلك العقوبة في يناير/كانون الثاني 2005، أعيدت محاكمته في يونيو/حزيران 2005 أمام محكمة خاصة خفضت العقوبة إلى عشرة أعوام، وكان بوسدرة عندئذ قد أمضى ستة عشر عاماً سجيناً، ولذا أمر رئيس الجلسة بإطلاق سراحه، إلا أنه ظل رهن الاعتقال في أحد مراكز الاعتقال التابعة للأمن الداخلي قبل أن تتم إعادة ترحيله في عام 2008 إلى سجن بوسليم. وقد أمكن لنجله طارق أن يزوره في31 يناير/كانون الثاني 2009 للمرة الأولى منذ يوم 21 مايو/أيار 2005. وقد أفرج الأمن الداخلي في النهاية عن محمد بوسدرة من سجن بوسليم في 7 يونيو/حزيران 2009. وقد انتقل إلى بنغازي حيث تقيم أسرته. إلا أن بوسدرة لم يصرح جهراً بما شهده.
بين منح التعويضات... ومنع الحقائق
"لقد أخفوا شقيقي لثلاثة عشر عاماً. أبي مات كمداً من جراء ذلك، العدالة هي شئ من حقنا."[137] ليبي من أقرباء أحد ضحايا بوسليم، 9 مارس/آذار 2009.
"أيأخذونه، ويقتلونه، ولا ندري موضع جثمانه، ثم يطالبوننا بأن نقبل هذا المال وأن نتصالح مع الدولة؟" شقيق أحد ضحايا بوسليم، 20 مايو/أيار 2009.
قامت السلطات فيما بين عامي 2001 إلى 2006 بإخطار 112 أسرة تقريباً، وهي نسبة ضئيلة قياساً بالعدد الإجمالي لمن اختفوا من السجناء، بأن أحد أقربائهم قد قضى نحبه في بوسليم، وذلك بدون تسليم للجثة أو إعطاء أية تفاصيل حول مسببات الوفاة.[138] إلا أن معظم الأسر، حتى وقت قريب، لم تتلقي أية إخطارات رسمية عن مصائر أحبائهم. وخلال الفترة من يناير/كانون الثاني حتى مارس/آذار 2009 ارتقت الحكومة بوتيرة العملية بتقديمها مستندات ثبوتية لنحو 351 أسرة، 160 أسرة منها في بنغازي، والباقي في كل من طرابلس، ودرنة، والبيضاء، ومصراته. وقد صرح أمين العدل الليبي، مصطفى عبد الجليل، لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نيسان 2009 بأن لجان القيادة الشعبية قد قامت حتى ذلك التاريخ بإخطار أقرباء نحو 800 إلى 820 من الضحايا بوفاتهم كما قاموا بتسليمهم شهادات الوفاة الصادرة لأولئك المتوفين، كما تراوح عدد أسر الضحايا التي لم يكن قد تم إخطارها بين350 إلى 400 أسرة.[139]
قامت مراكز الشرطة المحلية ومكاتب الأمن الداخلي في غالبية الحالات بدعوة الأحياء من أفراد الأسر للاجتماع وإخطارهم بوفاة أقربائهم، وقدمت لهم شهادات وفاة رسمية لتوقيعها. كما اجتمعت الأسر في بعض الحالات بلجان القيادة الشعبية المحلية حيث تم إخطارهم عن طريق تلك اللجان.[140] إلا أن شهادات الوفاة لم تبين سبب الوفاة كما أنها لم تحدد مكان وقوعها بأكثر من ذكر كلمة "طرابلس". وتراوحت تواريخ الوفاة المبينة بها فيما بين الأشهر يونيو/حزيران ويوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، غير أنه لم يكن بين أي من الشهادات التي اطلعت عليها هيومن رايتس ووتش ما يحمل تاريخ 28 أو 29 يونيو/حزيران.
العديد من السجناء الذين قتلوا في 1996 كان قد تم سجنهم في بوسليم منذ عام 1989 أو منذ عام 1995، وهما العامين الذين تمت خلالهما عمليات توقيف جماعي بهدف السيطرة على المعارضة الملحوظة للنظام. وعلى مدى أعوام لم تكن العديد من الأسر تعلم على وجه اليقين مجرد كون ذوي قرباها قد اعتقلوا في بوسليم، إذ أن تلك الأسر كانت قد فقدت كل اتصال بهم من وقت توقيفهم. وبالنسبة لتلك الأسر فقد كان أحباؤهم في عداد مفقودي الأثر.
محمد هميل فرجاني المتحدث السابق بلسان لجنة الأهالي، والموجود حالياً بالولايات المتحدة، أخبر هيومن رايتس ووتش عن شقيقيه الذين قتلا في بوسليم:
تم توقيف شقيقي السنوسي وخالد فرجاني في 1995. وكان على أسرتي أن تقوم كل ثلاثة أشهر، بتحميل السيارة بالملابس، والطعام، وأغطية الأسرة، ثم قيادة السيارة لمدة 12 ساعة من بنغازي إلى السجن في طرابلس. كنا نضع تلك الأشياء في زكائب تحمل اسمي شقيقي ونتركها عند بوابة السجن. كنا نترك لهما تلك الأشياء طوال تلك المدة، إذ كنا نخالهما سالمين. لقد كانا ميتين طوال ذلك الوقت وكان حراس الأمن يستولون على الملابس لأنفسهم.[141]
فيما روى أحد أفراد أسرة سجين آخر لـ هيومن رايتس ووتش قائلاً:
علمنا أن الأمن الداخلي ببنغازي قد أخذوه، ولكننا لم نعرف أي شئ بعد ذلك. ذهبت أنا، وذهب أخي، كذلك ذهبت أمي إلى كل السجون، لم نكن نعلم أين كان، وقد رفضوا أن يخبرونا. وفي بدايات عام 1996 سمعنا أخبارأ عن أن شئ ما قد وقع بالسجن، ثم بدأت القصة تتكشف عقب إطلاق سراح أولئك الناس. وبعد أربعة عشر عام من اختفائه، أي في مارس/آذار 2009، اتصل بنا الأمن الداخلي وأخبرونا أنه يجب علينا الذهاب لمقابلتهم. وعندما وصلنا إلى هناك قالوا خذ هذه شهادة وفاة أخيك ولم يقولوا شئ أكثر من هذا.[142]
بينما قال ثالث:
ظلت زوجة أخي في انتظار دام 10 أعوام لمعرفة وضع أخي، أعني زوجها. بعدها توفيت، وكانت لهما طفلة ولدت قبل أن يأخذوه للسجن مباشرة. والآن تقوم جدتها ، أي حماة أخي بتربيتها، لكننا نساعد أيضاَ في ذلك. لم تذهب أبدأً لرؤية أبيها، وهو أبداً لم يحتضن ابنته ولم يضمها لصدره مطلقاًً.[143]
لقد كان استلام بعض الأسر لشهادة الوفاة بمثابة الاعتراف الرسمي الأول بالاعتقال، وإن كان قد هدم كل ما بقي لديهم من أمل. ففي يوم واحد علمت عائلة التائيب بمصراته بوفاة خمسة من أفرادها، أصغرهم كان قد تم توقيفه وهو في سن الرابعة عشر.[144]
في 24 أبريل/نيسان 2009 التقى قريب لواحد من الضحايا بـ هيومن رايتس ووتش، معرضاً نفسة لمخاطرة شخصية كبيرة، إذ قال:
منذ ما يقرب من الشهر... حضر أحدهم إلى باب منزلي قائلاً "تعال معي". ولم يخبرني لأي سبب أو ما الأمر. شعرت بالخوف؛ كنت أرتعد. تسائلت: لأي سبب يطلبون ذهابي؟ ما الذي سيحدث لي الآن؟ طلبوا مني تقديم بطاقة هويتي، وسجلوا بياناتها تفصيلاً. ثم أخذوني إلى الجوار حيث تقع مباني الأمن الداخلي. أخذوني إلى أحد المكاتب.
كان بالمكتب رجل واحد، وكان هناك مدفع .. أعني بندقية، كلاشنيكوف على ما أظن، تستند مائلة إلى الجدار. لم يعرفني باسمه. كان من الأمن الداخلي. قال "أريد أن أتحدث إليك، إن أخاك قد رحل، تعال وقع هذه الورقة". رأيت الورقة. كانت شهادة وفاة. لم يبينوا السبب الذي نجمت عنه الوفاة. انزعجت للغاية. قلت "حتى الكلاب تعرف أسباب موتها". ورفضت أن أوقع الورقة.[145]
قدمت الحكومة مبدئيا للأسر مبلغ 120000 دينار (تعادل 98590 دولاراً أمريكياً) على سبيل الدية في حال ما إذا كان المتوفي أعزب، ومبلغ 130000 دينار (تعادل 106800 دولاراً أمريكياً) إذا كان متزوجاً. إلا أن السلطات قامت بحلول شهر يونيو/حزيران 2009 بزيادة الدية المبدئية إلى 200000 دينار ليبي (تعادل 164300 دولاراً). وقد روى شقيق أحد ضحايا بوسليم لـ هيومن رايتس ووتش أنه حينما رفضت الأسرة قبول الدية من حيث المبدأ، عرض ضباط الأمن الداخلي على الأسرة مضاعفة المبلغ ومحاولة تسهيل إطلاق سراح أفراد آخرين من الأسرة مسجونين في بوسليم.[146]

ويأتي عرض الدية مرتبطاً بشروط، إذ يتعين على الأسر التخلي عن أية دعاوى قانونية أخرى. بيد أن المال وحده غير كاف لبعض الأسر التي عانت ألم اختفاء أحد أقربائها.[147] ولقد أعلنت العديد من الأسر أن من حقها أن تنعم بالعدالة وأنه لا يكفيها أي شئ أقل من هذا. ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن السلطات قد ذكرت على وجه الدقة أن على الأسر التي تقبل بالدية من الحكومة، وأن تتنازل عن الاستمرار في الدعاوى القانونية سواء المحلية منها أو الدولية، مما يدل على أدراك تلك السلطات لإمكانية المطالبة بالعدالة من خلال آليات ذات طابع دولي.
وعلى الرغم من أن عدة أسر في طرابلس وغيرها من المدن قد قبلت بالدية، إلا أن غالبية الأسر في بنغازي قد رفضته، متمسكين برغبتهم في معرفة هوية مرتكبي الجريمة وتحميلهم المسئولية القانونية. ولقد جاء فيما ذكره أمين العدل الليبي مصطفى عبد الجليل لـ هيومن رايتس ووتش في أبريل/نسيان 2009 أن "عروض الدية قد تمت في سياق المصالحة. وحوالي 30٪ من الأسر التي تم حتى الآن إخطارها بوفاة أقربائها قد قبلت عرض الدية، و60 ٪ قد رفضت العرض لأن مبلغ الدية في اعتقادهم دون الكفاية، و10 ٪ رفضوا على أساس المبدأ."[148] وفي 10 أغسطس/آب 2009، أصدرت مؤسسة القذافي بياناً ذكر أن 569 أسرة تلقت الدية وأن هناك 598 باقية.[149] تلك فقط هي الإحصائيات الرسمية المتاحة حتى وقت كتابة هذا التقرير، وإن عدم اتساقها لهو انعكاس لصعوبة الحصول على المعلومات من جهاز الأمن الداخلي.
وفي 24 مايو/أيار 2009 تلقى أحد الأشخاص شهادة وفاة من لجنة القيادة الشعبية لإخطاره أن أخاه فتحي قد توفي. وقد أخبر الرجل هيومن رايتس ووتش أنه رفض عرض الدية البالغ 120000 دينار باعتباره "دون الكفاية" حيث أنهم "دفعوا 10 ملايين دولار لضحايا لوكربي ويقدمون لنا 120000 دينار ليبي؟ نحن لا نريد هذا المال، نريد الحقيقة، كما نريد أن نقوم بدفن أقربائنا."[150] لقد تم توقيف صلاح نجل سعد الفرجاني في 14 يناير/كانون الثاني 1989. ولم يكن بمقدور سعد الفرجاني أن يزور ولده في بوسليم منذ ذلك الحين إلا لمرة واحدة خلال العام الأول، ويخشى أن يكون ولده من بين أولئك الذين قتلوا، إلا أنه لم يتلق أي إشعار رسمي. وقد أخبر أحد الصحفيين بأنه "طالما أن الدولة الليبية ترفض إخبارنا بمصير أولادنا، فسنسأل العالم الخارجي أن ننال حقوقنا . . أريد أن أعرف مصير ولدي، وعرض الدية هذا هو أمر جائر".[151]
مطالبات الأسر: نشاط لم يسبق له نظير
على امتداد الاعوام التي صارت خلالها أسر ضحايا بوسليم أعلى صوتاً وأكثر تنظيماً، بدأت تلك الأسر في اتخاذ موقفها بصورة جماعية. ففي أبريل/نيسان 2008 شرعت بعض الأسر التي كانت قد أخذت القضية مسبقاً إلى ساحة القضاء في تشكيل لجنة تنسيق أسر الضحايا ممثلة عنهم في مطالباتهم.[152] وفي سياق القوانين الليبية التي تقيد بصرامة حرية الاجتماع والتنظيم وكذلك للافتقار إلى منظمات غير حكومية مستقلة، كان إنشاء اللجنة بمثابة فتح كبير. أحد أعضاء اللجنة أخبر هيومن رايتس ووتش بأنهم حاولوا تسجيل اللجنة كمنظمة غير حكومية إلا أن الأمن الداخلي رفض الأمر من بدايته.[153]
وقد نظمت اللجنة أيضاً تظاهرات للأهالي، مخاطرة بذلك مخاطرة كبيرة، إذ أن التظاهرات في ليبيا محظورة. وقد بدأ في بنغازي خروج التظاهرات الأولى للأسر في يونيو/حزيران 2008 واستمر تكرار خروج التظاهرات كل بضعة أشهر، وتراوح حجمها بين 30 إلى 40 فرداً حتى بلغ حجمها 150 فرداً في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2008.[154] أحد الأقرباء أخبر هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار 2009 عن الترهيب الذي يمرون به، وكيف أنه يتم استدعاء أعضاء اللجنة الأكثر نشاطاً للتحقيق، وأنه أثناء التظاهرات "تتراص قوات الأمن عنوة، ويقومون بتصوير أفلام لمن يحضر من الأقرباء. يأتي كبار مسؤولي الأمن ويطلبون من الأعضاء الأكبر سناً العودة إلى منازلهم. كل ملصقاتنا هي عن أولادنا، عن الحقيقة، لا شئ ضد القذافي".[155]
وآخر من أقرباء الضحايا أخبر هيومن رايتس ووتش:
في كل مرة ذهبت فيها لحضور تظاهرة كنت أعد نفسي للتوقيف، وكان الخوف ينتاب أسرتي بشأني. استدعاني الأمن الداخلي ذات مرة عقب تظاهرة وهددوني بالسجن. ليس هناك ما أخشاه، فأربعة من أشقائي قد سجنوا في بوسليم وقد مات اثنان منهم هناك. لم أعد خائفاً. أنا بحاجة لأن أتحدث في ذلك الأمر، أحس أنه بالحديث إليكم يمكن لصوتي أن يُسمع، ليس صوتي وحسب بل أصوات كافة الأسر.[156]
بينما قال ثالث:
يمنعنا الأمن الداخلي من الحديث إلى الناس في طرابلس. يريدون أن يمر كل شئ من خلالهم. ولا يعجبهم كل ما تسعى مؤسسة القذافي لعمله من أجل الناس. إنهم يتبعوننا في كل مكان. يضايقوننا طوال الوقت.
أنا أحب بلدي. حلمي هو تطوير نظام التعليم في هذا البلد. أريد أن أنال درجة الدكتوراه؛ أريد أن أساعد قومي. ولكنهم يعتبرونني رجلاً سيئاً ومواطناً سيئاً. لم؟ ماذا جنيت؟[157]
قامت اللجنة في مارس/آذار 2009 بنشر قائمة بمطالب الأسر، على موقع ليبي بالخارج، وقد طالبت السلطات الليبية بما يلي:[158]
1. الكشف عن الحقيقة بشأن مصير أقربائهم.
2. ملاحقة من تثبت مسؤوليتهم.
3. تسليم الرفات للأسر أو الكشف عن مكان الدفن.
4. إصدار شهادات وفاة سليمة تحمل تواريخ ومكان الوفاة.
5. الاعتذار رسمياً عبر وسائل الإعلام.
6. إطلاق سراح كافة أقرباء ضحايا بوسليم المعتقلين تعسفياً.
7. زيادة مبلغ الدية إلى ما تم تقديمه لضحايا لوكربي.
محمد هميل الفرجاني واحد من منسقي اللجنة الرئيسيين، وقد غادر ليبيا في مارس/آذار 2009، وهو الآن بالولايات المتحدة، أخبر هيومن رايتس ووتش أنه في بادئ الأمر كان كبار مسؤولي الأمن وكذا الوزراء متداخلون مع اللجنة. وقال إن مسؤولي الأمن قد دعوه للذهاب إلى طرابلس للتشاور وذلك على مدى أسبوعين من شهر فبراير/شباط 2009، قابل خلالهما المسؤول الأمني الكبير عبد الله السنوسي وأمين العدل مصطفى عبد الجليل. إلا إنه سرعان ما بان واضحاً أنه ليست هناك نية من جانب السلطات لملاحقة أيٍ من أولئك المسؤولين عن أعمال القتل في بوسليم. وحيث أن ذلك كان مطلباً أصيلاً من جانب اللجنة فقد أدى ذلك لانهيار المفاوضات. وجاء فيما ذكره الفرجاني لـ هيومن رايتس ووتش"إنهم يعتقدون أنه يمكنهم حل المسألة من خلال المال وأن هذا حل كاف، ولذا توقفوا عن التعاطي مع الأسر."[159]
حدث يومي 25 و26 مارس/آذار 2009 أن أوقفت قوات الأمن الداخلي أربعة من أعضاء لجنة الأسر ببنغازي.[160] ففي مساء يوم 25 مارس/آذار أوقف ضباط الأمن الداخلي أفراداً من أسرتي حسين المدني وفؤاد بن عمران في مساكنهم. كما قام ضباط مسلحون، بدون أمر قضائي، بتفتيش مسكن فتحي تربل، الذي كان بالخارج في ذلك الوقت، وصادروا حاسوبه المحمول. وفي صباح اليوم التالي، قام ضباط الأمن بتوقيف فتحي تربل في تظاهرة أخرى للجماعة. تربل أخبر هيومن رايتس ووتش بأن ضباط الأمن قد سألوه عند توقيفه "ما الذي يجعلك تفعل هذا يا فتحي، ولماذا تفعله بهذه الصورة غير القانونية؟ فأجبتهم: الدولة لن تصغي إلي، أريد فقط أن أعرف الحقيقة، إن ابنة أخي لم تر أباها قط".[161] وقد قام ضباط الأمن الداخلي باعتقال الرجال الثلاثة بمعزل عن العالم الخارجي لأربعة أيام، ثم أطلقوا سراحهم يوم 30 مارس/آذار 2009 في أعقاب مناشدة إعلامية وتدخل سيف الإسلام القذافي.

عندما أعربت هيومن رايتس ووتش للعميد التهامي خالد رئيس الأمن الداخلي عن قلقها بصدد عمليات التوقيف تلك، قال إنهم قاموا "بإيقاف الأفراد الذين أثاروا أعمال العنف" وأن هؤلاء الأهالي قد استخدموا " وسائل غير مشروعة حيث أنهم لم يحصلوا على تصريح بتسيير تظاهرتهم."[162]

وعلى الرغم من التهديد بالتوقيف وإشاعة جو الترهيب، استمرت تظاهرات الأسر. وقد بدأت الأهالي في البيضاء ودرنة في تنظيم التظاهرات أمام مكاتب جهاز الأمن الداخلي. كانت أكبر التظاهرات حتى اليوم تلك التي خرجت في 29 يونيو/حزيران 2009، في الذكرى السنوية لأحداث القتل، حيث سار ما يربو على 200 من الرجال، والنساء، والأطفال عبر شوارع بنغازي هميلين الرايات، وصور أقاربهم المتوفين.

في أجزاء من تقرير مصور بالفيديو تم بثه عبر موقع المنارة ظهرت إحدى السيدات تهتف:
"لا نريد المال، نريد السفاحين".
"أين أولادنا يا قذافي؟ نريد أجساد الذين استشهدوا".
"لا، لا، لا – لن نبيع دماء أولادنا."[163]

في أعقاب تلك التظاهرات صرح أمين العدل مصطفى عبد الجليل بأن لأولئك الذين لا يقبلون بالدية حرية اللجوء للمحاكم وأن الدولة ستضع أي قرار نهائي يصدر عن المحاكم موضع التنفيذ.[164]
التزامات ليبيا في القانون الدولي
بموجب القانون الدولي، على الحكومات الالتزام بتوفير التعويضات الملائمة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وتشمل التعويضات إحقاق العدالة، والتعويض المالي المناسب، بعد ما كابدوه من انتهاكات. وبصفة ليبيا دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فهي مُلزمة بتوفير تعويض يسهل الحصول عليه، على أن يكون فعالاً وقابلاً للإنفاذ في الوقت نفسه و"تحدده السلطة القضائية أو الإدارية أو التشريعية المختصة، أو من قبل سلطة مختصة بتوفير هذا التعويض حسب النظام القانوني للدولة، مع إتاحة إمكانات التعويض القضائي".
ويحق للضحايا وأسرهم معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات التي كابدوها. وقد صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مبدأ حق الضحايا في التعويض، بما في ذلك الاطلاع على المعلومات المتصلة بانتهاكاتهم الحقوقية.[165] والمبادئ الدولية التي تبنتها مفوضية حقوق الإنسان السابقة بالأمم المتحدة ورد فيها أن "بغض النظر عن أي إجراءات قانونية، فإن للضحايا وأسرهم وأقاربهم الحق المطلق في معرفة حقيقة ما حدث ضمن الانتهاكات التي وقعت".[166] وقد أكدت هيئات حقوق الإنسان الدولية على التزام الدول بتوفير المعلومات للضحايا، لا سيما في حالات الاختفاء القسري. ولجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ارتأت أن المعاناة الواسعة التي يكابدها أقارب "المختفين" تجعلهم ضحايا مباشرين للانتهاكات بدورهم.[167] وبالإضافة إلى إخبار الضحايا وأسرهم، فعلى الدولة التزام بإخبار المجتمع ككل بما جرى من انتهاكات لحقوق الإنسان، لا سيما الانتهاكات الجسيمة منها.[168] هذا الالتزام مُشتق مباشرة من واجب الدولة في منع الانتهاكات المستقبلية.
وواجب توفير التعويض الفعال يشمل أيضاً إعادة رفات القتلى إلى أسرهم، ليتسنى للأسر دفنها على النحو الملائم. في قضية "تروخيو أوروزا ضد بوليفيا"، حكمت محكمة الأميركتين بأن "تسليم الرفات في حالات الأشخاص المحتجزين والمختفين هي في حد ذاتها عمل عدلي وتعويضي. وهو عمل عدلي لأنه من العدل معرفة مكان الشخص المختفي، وهي من أشكال التعويض لأنها تسمح بتكريم الضحايا، بما أن رفات الشخص تستحق أن يعالجها الأقارب بشكل ملائم كي يتسنى دفنها دفنة كريمة".[169]
والكثير من المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي، تطالب بمحاكمة الأفراد في "محاكم مستقلة ومحايدة".[170] وقد رفضت هيئات حقوق الإنسان الدولية على طول الخط استخدام المدعين العسكريين والمحاكم العسكرية في القضايا الخاصة بانتهاكات بحق المدنيين، إذ ذكرت أن اختصاص المحاكم العسكرية يجب أن يقتصر على القضايا ذات الطبيعة العسكرية. كما توصي مجموعات مبادئ وضعتها مفوضية حقوق الإنسان السابقة بالأمم المتحدة أن قضايا حقوق الإنسان يجب أن تُنقل إلى المحاكم المدنية. والمبادئ الحاكمة لإدارة العدالة عبر المحاكم العسكرية، التي وضعت مشروعها اللجنة في يناير/كانون الثاني ورد فيها: "في جميع الحالات، يجب تنحية اختصاص المحاكم العسكرية لصالح اختصاص المحاكم العادية في إجراء التحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مثل الإعدام بمعزل عن القضاء والاختفاء القسري والتعذيب، والمقاضاة والمحاكمة للأفراد المتهمين في مثل هذه الجرائم".[171]

. محكمة أمن الدولة: محكمة الشعب الجديدة؟

IX . محكمة أمن الدولة: محكمة الشعب الجديدة؟

انشأت ليبيا محكمة الشعب عام 1988 للنظر في الجرائم السياسية والأمنية ضد الدولة. وكانت تشمل محكمة للنقض ونيابة، وهي النيابة الشعبية العامة. العديد من القضايا التي نظرتها المحكمة شملت اتهامات بأنشطة سياسية غير مشروعة كان يجب أن يحميها القانون بموجب الحق في حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير، وهي على الأخص انتهاكات مزعومة للقانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية مخالفة لمبادئ ثورة 1969 التي جلبت القذافي إلى سدة الحكم. محكمة الشعب تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب المحاكمات سياسية الدوافع التي لم تكفل حقوق المدعى عليهم أو الحق في الطعن ولقبولها الاعترافات المنتزعة تحت تأثير التعذيب.[172]
وقد رحبت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى بإلغاء محكمة الشعب في عام 2005
[173] لكن ركزت على أهمية الإفراج فوراً على المُدانين جراء التعبير سلمياً عن آراء سياسية، وتعويضهم على الوقت الذي أمضوه قيد الاحتجاز. كما دعت هيومن رايتس ووتش إلى منح جميع المدانين في محكمة الشعب محاكمات جديدة في المحاكم الجنائية الليبية العادية، مع كفالة الشفافية وحقوق إجراءات التقاضي السليمة بالكامل. وقال رئيس المحكمة الليبية العليا، د. عبد الرحمن أبو توتة، لـ هيومن رايتس ووتش إن المحكمة كانت محكمة استثنائية وبعد إلغاءها تم نقل جميع قضاياها إلى المحاكم العادية.[174] وأبدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قلقها لعدم تحويل القضايا، وذكرت في ملاحظاتها الختامية على تقرير ليبيا الدوري لحقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 أن "الإدانات والأحكام المُنزلة من قبل محكمة الشعب يجب أن تخضع للمراجعة من السلطة القضائية بالدولة على ضوء ضمانات الحماية المكفولة في المادة 14 من العهد الدولي".[175]
المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ولديه سلطة مراجعة أحكام المحكمة العليا وتخفيف أحكام الإعدام، أنشأ محكمة أمن الدولة في 19 أغسطس/آب 2007 بموجب قرار 27 للتصدي لـ "الجرائم المتصلة بالأمن".
[176] وتم إنشاءها بموجب القانون 6 والقرار رقم 3 الصادر من المجلس الأعلى للهيئات القضائية بشأن تشكيل المحاكم الخاصة. لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أبدت قلقها إزاء المحكمة الجديدة قائلة إنها لا تعرف بوضوح "الفرق بين محكمة أمن الدولة ومحكمة الشعب القديمة".[177]
وقال محامون ليبيون لـ هيومن رايتس ووتش إنه رغم إلغاء محكمة الشعب في عام 2005، فإن قوانينها ما زالت سارية ومحكمة أمن الدولة الجديدة تستخدم نفس الإجراءات الخاصة بمحكمة الشعب.
[178] والكثير من قضاة محكمة أمن الدولة هم قضاة سابقون في محكمة الشعب. وأحكام محكمة أمن الدولة غير متوفرة علناً للمدعى عليهم، ولأسرهم ولمحاميهم في أحيان كثيرة. وقال مدعى عليهم سابقون مثلوا أمام هذه المحكمة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يتمكنون من الطعن في أحكامها. ويمنع الأمن الداخلي المحامين من مرافقة موكليهم أثناء الاستجوابات، وكثيراً ما لا يتمكن المحامون من الاطلاع على ملفات القضايا، الأمر الضروري لإعداد دفاعهم. كما ستقوم محكمة أمن الدولة بالنظر في القضايا المزعوم فيها أن المدعى عليهم انتهكوا القانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية تعارض مبادئ ثورة 1969 التي جاءت بالقذافي إلى السلطة.
وبصفتها دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن ليبيا مُلزمة بموجب المادة 14 من العهد أن تكفل الحق في المحاكمة العادلة. ويشمل هذا ضمان حق المدعى عليهم بالكامل في معاملتهم باحترام تام لضمان المساواة في معرض إجراءت الملاحقة القضائية، وأن كل مدعى عليه ينال الحق في الطعن في أحكام المحكمة. ويجب على المحكمة أيضاً ضمان أن الاعترافات المنتزعة بالتعذيب لا تُقبل كأدلة في قاعة المحكمة. وتعارض هيومن رايتس ووتش تشكيل المحاكم الاستثنائية لمحاكمة أي مدعى عليهم في جرائم أمن قومي. فمثل هذه المحاكم يعوزها في العادة احترام حقوق المدعى عليهم. ويجب إجراء المحاكمات أمام محاكم جنائية عادية مع كفالة جميع الضمانات الإجرائية للمدعى عليهم بموجب القانون الدولي.
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش خمسة سجناء حوكموا وأدينوا في محكمة أمن الدولة. وفيما يلي أمثلة على قضايا نظرتها محكمة أمن الدولة، وتكشف عن عدد من الثغرات الإجرائية وفيها عدم التزام بالمعايير الدولية لإجراءات التقاضي السليمة. وتدعو هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى إلغاء الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة أو إعادة محاكمة المدعى عليهم مع كفالة ضمانات إجراءات التقاضي السليمة، بحق جميع السجناء المحكومين إثر محاكمات غير منصفة.
عبد الحكيم الخويلدي
أثناء بعثة هيومن رايتس ووتش البحثية في ليبيا شهر أبريل/نيسان 2009، قابلت المحتجز الأمني السابق طرف الاستخبارات المركزية الأميركية، عبد الحكيم الخويلدي (المعروف أيضاً باسم عبد الله الصادق). الخويلدي هو أحد قيادات الجماعة الإسلامية الليبية التي سعت لسنوات إلى قلب نظام حكم القذافي، ثم نبذت العنف مؤخراً في أغسطس/آب 2009 وتفاوضت على إطلاق سراح المئات من أعضائها من سجن بوسليم على مدار السنوات الماضية. قال الخويلدي لـ هيومن رايتس ووتش إن محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالإعدام في عام 2008. وقد اعتقله مسؤولون أمنيون ماليزيون في 3 مارس/آذار 2004 وسلموه إلى الاستخبارات المركزية، وقال إنها استجوبته وعذبته في تايلاند.
[179] وقد سلمت الاستخبارات المركزية عبد الحكيم الخويلدي لليبيا في 9 مارس/آذار 2004.[180] وقال لـ هيومن رايتس ووتش:
بعد عامين من الاستجواب طرف الأمن الخارجي، أحالوني على المحكمة. كانت المحكمة في المبنى الجديد، بأمن الدولة. ووجه إليّ 13 تهمة جراء نشاطي في ليبيا. ونُقلت إلى المحكمة وتلوا صحيفة الاتهام عليّ ثم أعادوني إلى السجن. بعد ستة أشهر أخبروني بالحُكم. قاموا بتعيين محامي من إدارة المحاماة الشعبية لكنّي لم أره قط. كان معي في القضية سبعة آخرون، قضية رقم 1. فكرة خضوعنا للمحاكمة من حيث المبدأ إيجابية، لكن الشيء السلبي الوحيد الذي أود الإشارة إليه هو أنني لم أقابل المحامي.
[181]
وما زال عبد الحكيم الخويلدي سجيناً في سجن بوسليم.
محمد أحمد الشروعية
في 28 أغسطس/آب 2004 سلمت الاستخبارات المركزية محمد الشروعية (المعروف أيضاً باسم حسن ربيعي) إلى ليبيا بعد 17 شهراً قضاها محتجزاً طرف الاستخبارات المركزية الأميركية. حكمت محكمة أمن الدولة عليه بالسجن المؤبد لعضويته في تنظيم محظور، هو الجماعة الإسلامية الليبية، في 16 يونيو/حزيران 2006. وقد تحدث إلى هيومن رايتس ووتش في سجن بوسليم في حضور حارس رفض المغادرة، وقال:
تم استجوابي، ثم جلبوني إلى محكمة أمن الدولة. حُكم عليّ بالسجن المؤبد في 17 يوليو/تموز 2006. كلفوا محامي من طرف الدولة بالدفاع عني لكن لم أحظ بفرصة الجلوس معه والحديث. اتهموني بالعضوية في تنظيم محظور، وهو الجماعة الإسلامية الليبية في قضية رقم 20.
[182]
قضية إدريس بوفايد وجمال الحاجي و12 آخرون
في فبراير/شباط 2007 اعتقلت قوات الأمن الليبية 14 شخصاً من المنظمين لمظاهرة سلمية كانوا يعتزمون عقدها إحياءً للذكرى السنوية لحملة القمع العنيفة على المتظاهرين في بنغازي. واحتجزتهم قوات الأمن بمعزل عن العالم الخارجي في سجن عين زارة والجديدة حتى 24 يونيو/حزيران 2007، عندما مثل 12 شخصاً من المجموعة أمام المحكمة لمواجهة اتهامات "محاولة قلب نظام الحكم" و"الاتصال بقوى معادية". تمت إحالة قضيتهم إلى محكمة أمن الدولة المنشئة حديثاً في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2007. ولم يتمكن المدعى عليهم من مقابلة محاميهم خارج قاعة المحكمة.
[183] وكان هذا أحد أول المطالب التي طلبوها من القاضي. وافق القاضي على تحقيق مطلبهم فأمر الأمن الليبي بالسماح لهم بمقابلة المحامين.[184] وفي 10 يونيو/حزيران 2008 حكمت محكمة أمن الدولة على الـ 12 رجلاً بالسجن لفترات تراوحت بين ستة أعوام و25 عاماً.
كما اعتقلت قوات الأمن جمعة بوفايد، شقيق إدريس، وعبد الرحمن القطيوي، بالإضافة للآخرين، لكنهما لم يمثلا في المحكمة، مما استدعى المخاوف من "اختفائهما". إلا أن السلطات في مايو/أيار 2008 أطلقت سراح جمعة بوفايد دون نسب اتهامات إليه، ثم أفرجت عن القطيوي في أواسط فبراير/شباط 2009. المنظم الرئيسي للمظاهرة المعتزمة إدريس بوفايد، تلقى حُكماً بالسجن 25 عاماً، ثم أفرج عنه لأسباب طبية في أكتوبر/تشرين الأول 2008 لإصابته بدرجة متقدمة من سرطان الرئة، وسافر إلى سويسرا في 11 ديسمبر/كانون الأول 2008 لتلقي العلاج. وأفرجت ليبيا عن تسعة من السجناء بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2008، والسجينين الأخيرين في مارس/آذار 2009.
وحكمت المحكمة على جمال الحاجي، الكاتب الذي يحمل الجنسية الدنماركية، بالسجن 12 عاماً. ورفضت السلطات الليبية طلبات الحكومة الدنماركية بزيارته. ووضعت سلطات السجن الحاجي في الحبس الانفرادي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 بعد أن رفض وضع حد لإضرابه عن الطعام احتجاجاً على استمرار احتجازه.
[185] ثم أطلقت السلطات سراحه في 10 مارس/آذار 2009.
قضية شكري سهيل
اعتقلت قوات الأمن الداخلي شكري سهيل، وقضيته مذكورة في الفصل السادس أعلاه، في مايو/أيار 2004، لمحاولة إنشاء منظمة لحقوق الإنسان، واحتجزته في سجن بوسليم. وفي يناير/كانون الثاني 2006 برأته محكمة النقض في طرابلس. وتم الإفراج عن سهيل في 28 فبراير/شباط 2006. وبعد طعن النيابة في الحُكم، أمرت المحكمة العليا بإعادة محاكمته. وأحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة إثر تشكيلها في أغسطس/آب 2007. وفي 6 يونيو/حزيران 2008 أصدر الادعاء بمحكمة أمن الدولة أمر بمثول شكري سهيل أمام المحكمة في 17 يونيو/حزيران. وقال سهيل إنه قرر الخروج من ليبيا إلى تركيا في 16 يونيو/حزيران 2008 لأنه يعرف أنه لن ينال محاكمة منصفة في هذه المحكمة. وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالإعدام غيابياً. وقال سهيل لـ هيومن رايتس ووتش: "تمكنت من تعيين محامي خاص مثلني في المحكمة، لكن بعد حُكم الإعدام كف عن استقبال مكالماتي. أسرتي وأصدقائي لم يتمكنوا من الحصول على نسخة من الحُكم من المحكمة أو من المحامي".
[186] وشكري سهيل متواجد حالياً في أوروبا

X . عقوبة الإعدام

على الرغم من تكرار تأكيد بعض أجهزة السلطة الليبية على أن ليبيا تعمل باتجاه التخلص من عقوبة الإعدام، فإن صدور أحكام الأعدام ما زال مستمراً، كذلك يستمر تنفيذ أحكام الإعدام.
كبير مستشاري رئيس المحكمة العليا، د. عبد الرحمن أبو توتة أخبر هيومن رايتس ووتش بأن حوالي 35 إلي 40 شخصاً يصدر حكم الإعدام بحقهم في ليبيا كل عام، إلا أن 5٪ إلى 7٪ فقط من تلك الأحكام يتم تنفيذها سنوياً.[187]وقال:
لا يتم مطلقاً دخول حكم الإعدام إلى حيز التنفيذ إلا بعد أن يكون المجلس الأعلى للهيئات القضائية، الذي يرأسه أمين العدل، قد راجع قرار المحكمة الأدنى من الناحيتين الموضوعية والإجرائية. وحتي بعد التصديق على القرار، فإنه لا يتم تنفيذه إلا بعد مرور أربعة أعوام، إذ أن قانون العقوبات الليبي يعطي أهالي المجني عليهم حق إصدار عفو مقابل الدية. ومتى تم قبول دفعها، فإن القضية تعاد بواسطة النائب العام إلى المحكمة التي أصدرت القرار أولاً، ويتم استبدال الحكم بالسجن مدى الحياة. هناك القليل جداً من أحكام الإعدام يتم تنفيذها فعلياً، إذ أن الإعفاءات تصدر في الكثير من الحالات. إن المجتمع الليبي يعمل على أن يجعل عقوبة الإعدام تتناقص من خلال عملية التصالح الاجتماعي.[188]
كما ذكر د. عبد الرحمن أبو توتة أن نصف الذين حكم عليهم بالإعدام تقريباً كانوا من هميلي الجنسيات الأجنبية، إما عمال مصريون مهاجرون أو مهاجرون غير شرعيين من بلدان أفريقية أخرى.
فالوضع القائم إذاً هو أن فرصة السجين الوحيدة لتفادي الحكم بإعدامه هي التوصل لاتفاق على الدية. والقانون الليبي رقم 6 يتيح حق القصاص لأهالي المجني عليهم، وهو مفهوم تبناه القانون من أحكام الشريعة التي تلقى صدى قوياً في المجتمع الليبي، حيث الروابط القبلية والعائلية لم تزل تتسم بالقوة. لذلك فإن السبيل الوحيد لتخفيف عقوبة الإعدام، بخلاف قرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وهو أمر لا يحدث إلا في قضايا الشخصيات الهامة، هو بالتوصل لاتفاق مع أهل المجني عليه للتنازل عن الحق في القصاص مقابل الحصول على الدية. إن هذا النظام يسمح بتخفيف العقوبة إذا ما كان أحدهم قادراً على الدفع، وبذلك يستثني كل من يفتقر للقدرة المالية. كما وقد ثبت أنه نظام لا يعول عليه حيث أدت المعوقات البيروقراطية في بعض الأوقات لتنفيذ الإعدام بصورة مبتسرة في وقت كانت فيه مفاوضات تسوية الموقف لم تزل دائرة.
يقف عدد كبير من المصريين في طابور المحكومين بالإعدام في ليبيا. ولقد ذاعت أخبار قضاياهم بسبب محاولات وزارة الخارجية المصرية للتدخل لصالحهم.[189]إلا أن السلطات الليبية قامت بتنفيذ العديد من عمليات الإعدام، شملت مواطناً مصرياً آخر وذلك في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2008.[190] ولقد عملت منظمة المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، وهي منظمة مصرية غير حكومية، بصورة مشتركة مع جمعية "واعتصموا" التي تديرها د.عائشة القذافي، بإجراء ترتيبات دفع الدية في عدد من تلك القضايا بنجاح.
وحقيقة أنه قد وقعت بالفعل حالات تم فيها تنفيذ حكم الإعدام بالرغم من الاتفاق على دفع الدية، لأسباب تتصل بالمعوقات البيروقراطية، تلقي الضوء على طبيعة هذا النظام التي لا يعول عليها. ففي 29 يوليو/تموز 2009، أعدمت السلطات الليبية المواطن المصري فضل إسماعيل حتيتة لارتكابه جريمة القتل وذلك بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام في انتظار تنفيذ الحكم. وكان قد تم التوصل إلى اتفاق مع عائلة المجني عليه لتخفيف الحكم مقابل 30000 جنيه مصري (تعادل 4500 دولارً أميريكي)، إلا أن النائب العام الليبي لم يعتد بوثيقة الاتفاق إذ أنه لم يتم التصديق عليها من قبل وزير الخارجية المصري.

إن النقاش الدائر في ليبيا حول منع عقوبة الإعدام لم يزل نقاشاً حياً، إلا أنه لم يتقدم إلا بقدر ضئيل منذ بدأ في عام 1988 بصدور الوثيقة الخضراء العظمى لحقوق الإنسان، إذ تنص المادة الثامنة من الوثيقة على أن: "يهدف المجتمع الجماهيري إلى إلغاء عقوبة الإعدام." وفي 18 أبريل/نيسان 2004، ألقى معمر القذافي خطاباً أمام المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وأعضاء سلك القضاء رفيعي المستوى، نادى فيه بعدد من الإصلاحات التشريعية، بما في ذلك التقليل من عدد الجرائم التي تطبق فيها عقوبة الإعدام. وعلى الرغم من نداء الزعيم فإن مؤتمر الشعب العام اتخذ قراراً ضد إلغاء عقوبة الإعدام. وقد كرر القذافي نداءه في خطاب ألقاه في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 أمام القضاة ودارسي القانون الليبيين وأذيع عبر تليفزيون ليبيا التابع للدولة. وقد قال فيه أن إلغاء عقوبة الإعدام لابد وأن ينجم عن التطور الاجتماعي، كما قال أنه "لا ينبغي له أن يكون نتيجة للضغوط الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية كتلك الضغوط التي تراكمت على تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي."[191]

وعلى الرغم من تلك المواقف المعلنة، فإن قانون العقوبات الليبي يطالب بعقوبة الإعدام لنطاق عريض من الجرائم، بما في ذلك أعمال محمية بموجب الحق في حرية التنظيم والتعبير. فالمادة 3 من القانون 71 تُجرِّم تشكيل أو الانضمام إلى أو دعم أي عمل جماعي يعارض أيديولوجية ثورة 1969 التي أتت بالقذافي إلى سلطة الحكم. وتوقع المادة 206 من قانون العقوبات عقوبة الإعدام بمن يدعو إلى "تأسيس أية جماعة أو منظمة أو جمعية يجرمها القانون"، وبمن ينتمون أو يدعمون مثل تلك التنظيمات. وقد نوهت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تعليقاتها الختامية بقلق على التقرير المقدم من ليبيا بأنه "في ظل التشريعات الحالية فإن عقوبة الإعدام يمكن تطبيقها على أعمال مؤثمة غامضة الوصف ومعرَّفة على غير الدقة، كما أنه لا يمكن بموجب المادة 6 فقرة 2 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن تصور بالضرورة باعتبارها أكثر الجرائم خطورة".[192]

يمكن للإصلاحات المقترح إدخالها على قانون العقوبات الليبي أن تضيق من نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، إلا أنها تبقي على تلك العقوبة في جرائم من قبيل شراء أسلحة فاسدة أو خطرة (المادة 145)، والاعتداء على رؤساء الدول الأجنبية (المادة 172)، والقتل (المادة 273)، والقتل المقترن بقطع الطريق (المادة 345). وإن هيومن رايتس ووتش لتنوه كما أنها ترحب ما تم في مسودة التعديلات الجديدة من تخفيض للجرائم التي تستوجب فرض عقوبة الإعدام والتي تم استبدالها في العديد من الحالات بعقوبة السجن. إلا تدعو إلى استبدال عقوبة الإعدام في ما بقي من حالات موجبة بعقوبة السجن، إذ أنها عقاب أكثر إنسانية ومعاصرة، كما أنه ليس هناك دليل على أن عقوبة الإعدام تفيد كعامل رادع.

إن التوجه العالمي لهو صوب إلغاء عقوبة الإعدام، وقد انعكس ذلك بأوضح صورة في قرار الجمعية العامة رقم 62/149 في 18 ديسمبر/كانون الأول 2007 منادياً بتعليق عالمي للعمل بعقوبة الإعدام. وقد تم تبني القرار بأغلبية موافقة بلغت 104 من أصوات الدول الأعضاء، ومعارضة 54 دولة، وامتناع 29 عن التصويت. إن هيومن رايتس ووتش تعارض إنزال عقوبة الإعدام تحت أي ظرف لما تحمله من وحشية، ولأنها كثيراً ما يتم إيقاعها على نحو تمييزي

منهج التقرير

منهج التقرير

ما زالت المعلومات المتوفرة عن انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا نادرة جراء استمرار سيطرة الدولة على وسائل الإعلام، ونتيجة لمخاطر إمداد المنظمات الأجنبية بالمعلومات. الإعلام المطبوع في ليبيا والمراسلين الأجانب الذين يعملون فيها قلما يكتبون عن انتهاكات حقوق الإنسان. ومن جانبهم، فإن المحامين وأهالي وأصدقاء من تُنتهك حقوقهم، عادة ما لا يتواصلون مع المنظمات الدولية خشية العقبات.
هذا التقرير يستند بالأساس إلى زيارة إلى ليبيا في أبريل/نيسان 2009 استغرقت 10 أيام، وكذلك مقابلات مع ليبيين في الخارج، وبحوث عامة عن ليبيا. وأثناء الزيارة قابلت هيومن رايتس ووتش أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل (وزير العدل)، وأمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام (وزير الداخلية)، ورئيس جهاز الأمن الداخلي التابع للجنة الشعبية العامة للأمن العام، وممثلين من اللجان الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي (وزارة الخارجية) والقائم بأعمال النائب العام. كما قابلت هيومن رايتس ووتش محامين وصحفيين وسجناء سابقين وأهالي لبعض السجناء. وزارت هيومن رايتس ووتش سجناً واحداً، هو بوسليم في طرابلس، وقابلت ستة سجناء، وقابلت لفترة وجيزة سجيناً آخر – وتأكدت من أنه محتجز – وإن رفض إجراء المقابلة. وقد رفضت سلطات السجن طلبات هيومن رايتس ووتش بمقابلة سبعة سجناء آخرين.
ورغم قضاء هيومن رايتس ووتش ثلاث ساعات في التفاوض مع الضابط المسؤول من الأمن الداخلي، فإنها لم تتمكن من استصدار موافقة على إجراء مقابلات على انفراد مع أي سجين. المقابلات تمت في فناء السجن وبالقرب من مكان انعقادها كان الحراس يروحون ويغدون للتنصت رافضين طلب هيومن رايتس ووتش بالابتعاد عن مكان عقد المقابلات. أثر هذا إجمالاً على قيمة شهادات الشهود. وقد رفضت السلطات الليبية طلب هيومن رايتس ووتش بزيارة سجن عين زارة، وهو السجن الآخر الذي يديره جهاز الأمن الداخلي.
وحرصاً على أمن من تمت المقابلات معهم، لم تقابل هيومن رايتس ووتش أحداً إلا في أماكن عامة، وبعد تأكيد من تمت المقابلات معهم على استعدادهم التام للتحدث إلى هيومن رايتس ووتش في أماكن عامة. وقد أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلتين مع أقارب لضحايا انتهاكات لحقوق الإنسان في بنغازي، وأجرت أربع مقابلات هاتفية أخرى مع أقارب آخرين. وبعد ذلك قابلت هيومن رايتس ووتش شقيقين لسجينين قُتلا في سجن بوسليم، على التوالي بمدينة لندن بإنجلترا، في يونيو/حزيران 2009، وفي كليفلاند، بولاية أوهايو في الولايات المتحدة، في أغسطس/آب 2009.
ولم يعاين وفد هيومن رايتس ووتش وجود أية مراقبة أمنية أثناء الزيارة، لكن كان من الواضح أن الأمن الليبي يُخضع وفد المنظمة للمراقبة..
وفي يونيو/حزيران 2009 أرسلت هيومن رايتس ووتش خطابات إلى وزير العدل ووزير الأمن العام، مطالبة فيها بتوضيحات بشأن عدة قضايا، طارحة بعض الأسئلة التي لم يُجب عليها من قبل. وحتى تماثل هذا التقرير للطبع لم تكن هيومن رايتس ووتش قد تلقت أية ردود على هذه الرسائل رغم المحاولات المتكررة للمتابعة. والرسائل واردة في ملحق التقرير

التوصيات من

الحقيقة والعدالة لن تنتظر
تطورات أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا وسط المعوقات المؤسسية
. ملخص
. التوصيات
III. منهج التقرير
. خلفية
العودة إلى المجتمع الدولي
مبادرات الإصلاح
. حرية التعبير
الملاحقة القضائية للصحفيين
التزامات ليبيا الدولية والقانون الليبي
. حرية التجمع وحرية تكوين الجمعيات
حرية التجمع
غياب المنظمات غير الحكومية المستقلة
تجريم حرية تكوين الجمعيات
محاولة إنشاء منظمة لحقوق الإنسان عام 2008
التزامات ليبيا الدولية
VII. انتهاكات جهاز الأمن الداخلي
الاحتجاز التعسفي
السجناء السياسيين
الاختفاءات
الوفاة أثناء الاحتجاز
VIII. الإفلات من العقاب عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
أعمال القتل في سجن بوسليم عام 1996
من الإنكار الرسمي إلى اعتراف المتمنع
بين منح التعويضات... ومنع الحقائق
مطالبات الأسر: نشاط لم يسبق له نظير
التزامات ليبيا في القانون الدولي
. محكمة أمن الدولة: محكمة الشعب الجديدة؟
عبد الحكيم الخويلدي
محمد أحمد الشروعية
قضية إدريس بوفايد وجمال الحاجي و12 آخرون
قضية شكري سهيل
. عقوبة الإعدام
شكر وتنويه
الملحق: رسائل إلى السلطات الليبية

من هيومن رايتس ووتش

. التوصيات
إلى الحكومة الليبية:
تدعو هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى تنفيذ الإصلاحات التي أعلنتها وأن تضمن تنفيذها في ظل الالتزام التام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتدعو هيومن رايتس ووتش الحكومة الليبية تحديداً إلى:
فيما يتعلق بحرية التعبير:
إلغاء قانون 71 لعام 1972، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية تخالف مبادئ ثورة الفاتح 1969 التي قاد فيها معمر القذافي انقلاباً عسكرياً لإلغاء الملكية في ليبيا.
إلغاء أحكام قانون العقوبات التي تجرم حرية التعبير، ومنها المواد 166 و178 و206 و207، وضمان أن مشروع قانون العقوبات الجديد سيخضع للمراجعة كي يصبح متفقاً مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
عرض مشروع قانون العقوبات الجديد على المؤتمرات الشعبية لمناقشته في أسرع فرصة ممكنة.
[1]
الإفراج عن جميع المسجونين والمحتجزين لمجرد ممارستهم لحقهم في حرية التعبير.
فيما يتعلق بالحق في تكوين الجمعيات والتجمع:
السماح بإنشاء المنظمات المستقلة التي تبغي ممارسة حرية تكوين الجمعيات.
إلغاء قرار رفض تسجيل جمعية العدالة ومركز الديمقراطية، وهي منظمات سعى محامون وصحفيون لتشكيلها في عام 2008.
إلغاء قانون 71 لعام 1972 والمواد ذات الصلة في قانون العقوبات التي تجرم حرية تكوين الجمعيات، وتعديل القانون 19 بحيث يسمح بإنشاء المنظمات غير الحكومية المستقلة.
ضمان أن الأفراد الساعين لإنشاء الجمعيات لا يتعرضون للمضايقات من قبل الأمن أو المقاضاة جراء ممارستهم حقهم في حرية التجمع.
إلغاء قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 312/2009 الذي يفرض قيوداً جديدة على التجمع وتكوين الجمعيات بما يفرض من متطلبات غير متناسبة ولا ضرورة لها.
فيما يتعلق بالسجناء الخاضعين للأمن الداخلي:
يجب الإفراج فوراً عن جميع المسجونين الذين برأتهم المحاكم.
يجب الإفراج فوراً عن جميع المسجونين الذين انتهت أحكامهم بالسجن.
يجب تنفيذ جميع الأحكام التي تصدرها المحاكم الليبية.
يجب السماح لمكتب النائب العام بإجراء تحقيقات فيما يخص الاحتجاز في سجني بوسليم وعين زارة.
يجب إلغاء جميع الأحكام بحق جميع السجناء السياسيين والإفراج عنهم فوراً، ممن تم سجنهم لمجرد تعبيرهم سلمياً عن الرأي ولأنشطة يحميها حقي حرية تكوين الجمعيات والتجمع.
يجب تعويض جميع من تعرضوا للاحتجاز التعسفي.
يجب توقيع الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأفراد من الاختفاء القسري والتصديق عليها.
يجب إصدار دعوة للمقرر الخاص للإعدام بعيداً عن القضاء والإعدام تعسفاً.
يجب تيسير زيارة الفريق العام بالأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، والسماح لأعضاء الفريق بزيارة جميع مراكز الاحتجاز بحرية ومنها المراكز الخاضعة لإشراف الأمن الداخلي.
فيما يتعلق بواقعة بوسليم عام 1996:
يجب الكشف علناً عن أية نتائج للتحقيق فيما يخص واقعة بوسليم.
يجب ضمان أن التحقيقات تجري من قبل قاضي مستقل ومحايد وأن الأمن الداخلي يتعاون بالكامل مع مجريات التحقيق.
يجب تحديد المسؤولين عن حوادث القتل ومقاضاتهم بموجب القانون في محاكمات عادلة.
يجب تنفيذ حُكم محكمة شمال بنغازي القاضي بإخطار أهالي القتلى عن مصير أقاربهم.
يجب إصدار شهادات وفاة جديدة فيها التاريخ الصحيح للوفاة ومكانها وسببها.
يجب الكف فوراً عن الضغط على الأهالي أو تهديدهم كي يقبلوا التعويض، والسماح لهم إذا طلبوا بالوقت الكافي للتفكير في التعويض.
يجب السماح لأهالي ضحايا بوسليم بالتظاهر بحرية والتعبير بحرية عن رأيهم بشأن العملية دون ترهيب أو مضايقات من قوات الأمن.
فيما يتعلق بمحكمة أمن الدولة:
يجب توضيح وضع محكمة أمن الدولة في إطار القانون الليبي.
يجب ضمان توفر الحق في الطعن لكل مدعى عليه وتوضيح هيئة المحكمة المختصة بالنظر في الطعون.
يجب إتاحة الحق للمدعى عليهم في توكيل محامين يختاروهم ومقابلة محاميهم على النحو الكافي قبيل جلسات المحكمة.
يجب ضمان أن المحامين الخاصين والذين من تعيين الدولة يطلعون بشكل منطوي على المساواة وبالكامل على وثائق القضايا.
يجب توفير جميع أحكام محكمة أمن الدولة علناً، خاصة توفيرها للمدعى عليه وأسرته.
فيما يتعلق بعقوبة الإعدام:
يجب إعطاء الأوامر على الفور بتجميد عقوبة الإعدام.
يجب تخفيف عقوبات الإعدام إلى أحكام بالسجن.
يجب إلغاء عقوبة الإعدام كعقوبة في القانون الليبي.
يجب الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام.
إلى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء
يجب قبل إتمام الاتفاق الإطاري مع ليبيا ضمان التزام الحكومة الليبية بتحسين سجل حقوق الإنسان واحترام حقوق السجناء والصحفيين وأهالي ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
يجب مناقشة حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان مع الحكومة الليبية، بما يتفق مع الأدلة التوجيهية للمدافعين عن حقوق الإنسان الصادرة عن الاتحاد الأوروبي.
إلى الأمم المتحدة
يجب أن يطلب المقرر الخاص المعني بالإعدام بلا محاكمة والإعدام التعسفي زيارة ليبيا.
يجب أن يطلب الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري زيارة ليبيا.
يجب أن يتناول أعضاء مجلس حقوق الإنسان بالمناقشة توصيات هذا التقرير مع الحكومة الليبية أثناء جلسة المراجعة الدورية الشاملة
القادمة.

ضحايا نضام القدافي في حرب تشاد