IX . محكمة أمن الدولة: محكمة الشعب الجديدة؟
انشأت ليبيا محكمة الشعب عام 1988 للنظر في الجرائم السياسية والأمنية ضد الدولة. وكانت تشمل محكمة للنقض ونيابة، وهي النيابة الشعبية العامة. العديد من القضايا التي نظرتها المحكمة شملت اتهامات بأنشطة سياسية غير مشروعة كان يجب أن يحميها القانون بموجب الحق في حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير، وهي على الأخص انتهاكات مزعومة للقانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية مخالفة لمبادئ ثورة 1969 التي جلبت القذافي إلى سدة الحكم. محكمة الشعب تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب المحاكمات سياسية الدوافع التي لم تكفل حقوق المدعى عليهم أو الحق في الطعن ولقبولها الاعترافات المنتزعة تحت تأثير التعذيب.[172]
وقد رحبت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى بإلغاء محكمة الشعب في عام 2005[173] لكن ركزت على أهمية الإفراج فوراً على المُدانين جراء التعبير سلمياً عن آراء سياسية، وتعويضهم على الوقت الذي أمضوه قيد الاحتجاز. كما دعت هيومن رايتس ووتش إلى منح جميع المدانين في محكمة الشعب محاكمات جديدة في المحاكم الجنائية الليبية العادية، مع كفالة الشفافية وحقوق إجراءات التقاضي السليمة بالكامل. وقال رئيس المحكمة الليبية العليا، د. عبد الرحمن أبو توتة، لـ هيومن رايتس ووتش إن المحكمة كانت محكمة استثنائية وبعد إلغاءها تم نقل جميع قضاياها إلى المحاكم العادية.[174] وأبدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قلقها لعدم تحويل القضايا، وذكرت في ملاحظاتها الختامية على تقرير ليبيا الدوري لحقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 أن "الإدانات والأحكام المُنزلة من قبل محكمة الشعب يجب أن تخضع للمراجعة من السلطة القضائية بالدولة على ضوء ضمانات الحماية المكفولة في المادة 14 من العهد الدولي".[175]
المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ولديه سلطة مراجعة أحكام المحكمة العليا وتخفيف أحكام الإعدام، أنشأ محكمة أمن الدولة في 19 أغسطس/آب 2007 بموجب قرار 27 للتصدي لـ "الجرائم المتصلة بالأمن".[176] وتم إنشاءها بموجب القانون 6 والقرار رقم 3 الصادر من المجلس الأعلى للهيئات القضائية بشأن تشكيل المحاكم الخاصة. لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أبدت قلقها إزاء المحكمة الجديدة قائلة إنها لا تعرف بوضوح "الفرق بين محكمة أمن الدولة ومحكمة الشعب القديمة".[177]
وقال محامون ليبيون لـ هيومن رايتس ووتش إنه رغم إلغاء محكمة الشعب في عام 2005، فإن قوانينها ما زالت سارية ومحكمة أمن الدولة الجديدة تستخدم نفس الإجراءات الخاصة بمحكمة الشعب.[178] والكثير من قضاة محكمة أمن الدولة هم قضاة سابقون في محكمة الشعب. وأحكام محكمة أمن الدولة غير متوفرة علناً للمدعى عليهم، ولأسرهم ولمحاميهم في أحيان كثيرة. وقال مدعى عليهم سابقون مثلوا أمام هذه المحكمة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يتمكنون من الطعن في أحكامها. ويمنع الأمن الداخلي المحامين من مرافقة موكليهم أثناء الاستجوابات، وكثيراً ما لا يتمكن المحامون من الاطلاع على ملفات القضايا، الأمر الضروري لإعداد دفاعهم. كما ستقوم محكمة أمن الدولة بالنظر في القضايا المزعوم فيها أن المدعى عليهم انتهكوا القانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية تعارض مبادئ ثورة 1969 التي جاءت بالقذافي إلى السلطة.
وبصفتها دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن ليبيا مُلزمة بموجب المادة 14 من العهد أن تكفل الحق في المحاكمة العادلة. ويشمل هذا ضمان حق المدعى عليهم بالكامل في معاملتهم باحترام تام لضمان المساواة في معرض إجراءت الملاحقة القضائية، وأن كل مدعى عليه ينال الحق في الطعن في أحكام المحكمة. ويجب على المحكمة أيضاً ضمان أن الاعترافات المنتزعة بالتعذيب لا تُقبل كأدلة في قاعة المحكمة. وتعارض هيومن رايتس ووتش تشكيل المحاكم الاستثنائية لمحاكمة أي مدعى عليهم في جرائم أمن قومي. فمثل هذه المحاكم يعوزها في العادة احترام حقوق المدعى عليهم. ويجب إجراء المحاكمات أمام محاكم جنائية عادية مع كفالة جميع الضمانات الإجرائية للمدعى عليهم بموجب القانون الدولي.
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش خمسة سجناء حوكموا وأدينوا في محكمة أمن الدولة. وفيما يلي أمثلة على قضايا نظرتها محكمة أمن الدولة، وتكشف عن عدد من الثغرات الإجرائية وفيها عدم التزام بالمعايير الدولية لإجراءات التقاضي السليمة. وتدعو هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى إلغاء الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة أو إعادة محاكمة المدعى عليهم مع كفالة ضمانات إجراءات التقاضي السليمة، بحق جميع السجناء المحكومين إثر محاكمات غير منصفة.
عبد الحكيم الخويلدي
أثناء بعثة هيومن رايتس ووتش البحثية في ليبيا شهر أبريل/نيسان 2009، قابلت المحتجز الأمني السابق طرف الاستخبارات المركزية الأميركية، عبد الحكيم الخويلدي (المعروف أيضاً باسم عبد الله الصادق). الخويلدي هو أحد قيادات الجماعة الإسلامية الليبية التي سعت لسنوات إلى قلب نظام حكم القذافي، ثم نبذت العنف مؤخراً في أغسطس/آب 2009 وتفاوضت على إطلاق سراح المئات من أعضائها من سجن بوسليم على مدار السنوات الماضية. قال الخويلدي لـ هيومن رايتس ووتش إن محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالإعدام في عام 2008. وقد اعتقله مسؤولون أمنيون ماليزيون في 3 مارس/آذار 2004 وسلموه إلى الاستخبارات المركزية، وقال إنها استجوبته وعذبته في تايلاند.[179] وقد سلمت الاستخبارات المركزية عبد الحكيم الخويلدي لليبيا في 9 مارس/آذار 2004.[180] وقال لـ هيومن رايتس ووتش:
بعد عامين من الاستجواب طرف الأمن الخارجي، أحالوني على المحكمة. كانت المحكمة في المبنى الجديد، بأمن الدولة. ووجه إليّ 13 تهمة جراء نشاطي في ليبيا. ونُقلت إلى المحكمة وتلوا صحيفة الاتهام عليّ ثم أعادوني إلى السجن. بعد ستة أشهر أخبروني بالحُكم. قاموا بتعيين محامي من إدارة المحاماة الشعبية لكنّي لم أره قط. كان معي في القضية سبعة آخرون، قضية رقم 1. فكرة خضوعنا للمحاكمة من حيث المبدأ إيجابية، لكن الشيء السلبي الوحيد الذي أود الإشارة إليه هو أنني لم أقابل المحامي.[181]
وما زال عبد الحكيم الخويلدي سجيناً في سجن بوسليم.
محمد أحمد الشروعية
في 28 أغسطس/آب 2004 سلمت الاستخبارات المركزية محمد الشروعية (المعروف أيضاً باسم حسن ربيعي) إلى ليبيا بعد 17 شهراً قضاها محتجزاً طرف الاستخبارات المركزية الأميركية. حكمت محكمة أمن الدولة عليه بالسجن المؤبد لعضويته في تنظيم محظور، هو الجماعة الإسلامية الليبية، في 16 يونيو/حزيران 2006. وقد تحدث إلى هيومن رايتس ووتش في سجن بوسليم في حضور حارس رفض المغادرة، وقال:
تم استجوابي، ثم جلبوني إلى محكمة أمن الدولة. حُكم عليّ بالسجن المؤبد في 17 يوليو/تموز 2006. كلفوا محامي من طرف الدولة بالدفاع عني لكن لم أحظ بفرصة الجلوس معه والحديث. اتهموني بالعضوية في تنظيم محظور، وهو الجماعة الإسلامية الليبية في قضية رقم 20.[182]
قضية إدريس بوفايد وجمال الحاجي و12 آخرون
في فبراير/شباط 2007 اعتقلت قوات الأمن الليبية 14 شخصاً من المنظمين لمظاهرة سلمية كانوا يعتزمون عقدها إحياءً للذكرى السنوية لحملة القمع العنيفة على المتظاهرين في بنغازي. واحتجزتهم قوات الأمن بمعزل عن العالم الخارجي في سجن عين زارة والجديدة حتى 24 يونيو/حزيران 2007، عندما مثل 12 شخصاً من المجموعة أمام المحكمة لمواجهة اتهامات "محاولة قلب نظام الحكم" و"الاتصال بقوى معادية". تمت إحالة قضيتهم إلى محكمة أمن الدولة المنشئة حديثاً في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2007. ولم يتمكن المدعى عليهم من مقابلة محاميهم خارج قاعة المحكمة.[183] وكان هذا أحد أول المطالب التي طلبوها من القاضي. وافق القاضي على تحقيق مطلبهم فأمر الأمن الليبي بالسماح لهم بمقابلة المحامين.[184] وفي 10 يونيو/حزيران 2008 حكمت محكمة أمن الدولة على الـ 12 رجلاً بالسجن لفترات تراوحت بين ستة أعوام و25 عاماً.
كما اعتقلت قوات الأمن جمعة بوفايد، شقيق إدريس، وعبد الرحمن القطيوي، بالإضافة للآخرين، لكنهما لم يمثلا في المحكمة، مما استدعى المخاوف من "اختفائهما". إلا أن السلطات في مايو/أيار 2008 أطلقت سراح جمعة بوفايد دون نسب اتهامات إليه، ثم أفرجت عن القطيوي في أواسط فبراير/شباط 2009. المنظم الرئيسي للمظاهرة المعتزمة إدريس بوفايد، تلقى حُكماً بالسجن 25 عاماً، ثم أفرج عنه لأسباب طبية في أكتوبر/تشرين الأول 2008 لإصابته بدرجة متقدمة من سرطان الرئة، وسافر إلى سويسرا في 11 ديسمبر/كانون الأول 2008 لتلقي العلاج. وأفرجت ليبيا عن تسعة من السجناء بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2008، والسجينين الأخيرين في مارس/آذار 2009.
وحكمت المحكمة على جمال الحاجي، الكاتب الذي يحمل الجنسية الدنماركية، بالسجن 12 عاماً. ورفضت السلطات الليبية طلبات الحكومة الدنماركية بزيارته. ووضعت سلطات السجن الحاجي في الحبس الانفرادي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 بعد أن رفض وضع حد لإضرابه عن الطعام احتجاجاً على استمرار احتجازه.[185] ثم أطلقت السلطات سراحه في 10 مارس/آذار 2009.
قضية شكري سهيل
اعتقلت قوات الأمن الداخلي شكري سهيل، وقضيته مذكورة في الفصل السادس أعلاه، في مايو/أيار 2004، لمحاولة إنشاء منظمة لحقوق الإنسان، واحتجزته في سجن بوسليم. وفي يناير/كانون الثاني 2006 برأته محكمة النقض في طرابلس. وتم الإفراج عن سهيل في 28 فبراير/شباط 2006. وبعد طعن النيابة في الحُكم، أمرت المحكمة العليا بإعادة محاكمته. وأحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة إثر تشكيلها في أغسطس/آب 2007. وفي 6 يونيو/حزيران 2008 أصدر الادعاء بمحكمة أمن الدولة أمر بمثول شكري سهيل أمام المحكمة في 17 يونيو/حزيران. وقال سهيل إنه قرر الخروج من ليبيا إلى تركيا في 16 يونيو/حزيران 2008 لأنه يعرف أنه لن ينال محاكمة منصفة في هذه المحكمة. وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالإعدام غيابياً. وقال سهيل لـ هيومن رايتس ووتش: "تمكنت من تعيين محامي خاص مثلني في المحكمة، لكن بعد حُكم الإعدام كف عن استقبال مكالماتي. أسرتي وأصدقائي لم يتمكنوا من الحصول على نسخة من الحُكم من المحكمة أو من المحامي".[186] وشكري سهيل متواجد حالياً في أوروبا
انشأت ليبيا محكمة الشعب عام 1988 للنظر في الجرائم السياسية والأمنية ضد الدولة. وكانت تشمل محكمة للنقض ونيابة، وهي النيابة الشعبية العامة. العديد من القضايا التي نظرتها المحكمة شملت اتهامات بأنشطة سياسية غير مشروعة كان يجب أن يحميها القانون بموجب الحق في حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير، وهي على الأخص انتهاكات مزعومة للقانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية مخالفة لمبادئ ثورة 1969 التي جلبت القذافي إلى سدة الحكم. محكمة الشعب تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب المحاكمات سياسية الدوافع التي لم تكفل حقوق المدعى عليهم أو الحق في الطعن ولقبولها الاعترافات المنتزعة تحت تأثير التعذيب.[172]
وقد رحبت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى بإلغاء محكمة الشعب في عام 2005[173] لكن ركزت على أهمية الإفراج فوراً على المُدانين جراء التعبير سلمياً عن آراء سياسية، وتعويضهم على الوقت الذي أمضوه قيد الاحتجاز. كما دعت هيومن رايتس ووتش إلى منح جميع المدانين في محكمة الشعب محاكمات جديدة في المحاكم الجنائية الليبية العادية، مع كفالة الشفافية وحقوق إجراءات التقاضي السليمة بالكامل. وقال رئيس المحكمة الليبية العليا، د. عبد الرحمن أبو توتة، لـ هيومن رايتس ووتش إن المحكمة كانت محكمة استثنائية وبعد إلغاءها تم نقل جميع قضاياها إلى المحاكم العادية.[174] وأبدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قلقها لعدم تحويل القضايا، وذكرت في ملاحظاتها الختامية على تقرير ليبيا الدوري لحقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 أن "الإدانات والأحكام المُنزلة من قبل محكمة الشعب يجب أن تخضع للمراجعة من السلطة القضائية بالدولة على ضوء ضمانات الحماية المكفولة في المادة 14 من العهد الدولي".[175]
المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ولديه سلطة مراجعة أحكام المحكمة العليا وتخفيف أحكام الإعدام، أنشأ محكمة أمن الدولة في 19 أغسطس/آب 2007 بموجب قرار 27 للتصدي لـ "الجرائم المتصلة بالأمن".[176] وتم إنشاءها بموجب القانون 6 والقرار رقم 3 الصادر من المجلس الأعلى للهيئات القضائية بشأن تشكيل المحاكم الخاصة. لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أبدت قلقها إزاء المحكمة الجديدة قائلة إنها لا تعرف بوضوح "الفرق بين محكمة أمن الدولة ومحكمة الشعب القديمة".[177]
وقال محامون ليبيون لـ هيومن رايتس ووتش إنه رغم إلغاء محكمة الشعب في عام 2005، فإن قوانينها ما زالت سارية ومحكمة أمن الدولة الجديدة تستخدم نفس الإجراءات الخاصة بمحكمة الشعب.[178] والكثير من قضاة محكمة أمن الدولة هم قضاة سابقون في محكمة الشعب. وأحكام محكمة أمن الدولة غير متوفرة علناً للمدعى عليهم، ولأسرهم ولمحاميهم في أحيان كثيرة. وقال مدعى عليهم سابقون مثلوا أمام هذه المحكمة لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يتمكنون من الطعن في أحكامها. ويمنع الأمن الداخلي المحامين من مرافقة موكليهم أثناء الاستجوابات، وكثيراً ما لا يتمكن المحامون من الاطلاع على ملفات القضايا، الأمر الضروري لإعداد دفاعهم. كما ستقوم محكمة أمن الدولة بالنظر في القضايا المزعوم فيها أن المدعى عليهم انتهكوا القانون 71، الذي يحظر أي نشاط جماعي بناء على أيديولوجية سياسية تعارض مبادئ ثورة 1969 التي جاءت بالقذافي إلى السلطة.
وبصفتها دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن ليبيا مُلزمة بموجب المادة 14 من العهد أن تكفل الحق في المحاكمة العادلة. ويشمل هذا ضمان حق المدعى عليهم بالكامل في معاملتهم باحترام تام لضمان المساواة في معرض إجراءت الملاحقة القضائية، وأن كل مدعى عليه ينال الحق في الطعن في أحكام المحكمة. ويجب على المحكمة أيضاً ضمان أن الاعترافات المنتزعة بالتعذيب لا تُقبل كأدلة في قاعة المحكمة. وتعارض هيومن رايتس ووتش تشكيل المحاكم الاستثنائية لمحاكمة أي مدعى عليهم في جرائم أمن قومي. فمثل هذه المحاكم يعوزها في العادة احترام حقوق المدعى عليهم. ويجب إجراء المحاكمات أمام محاكم جنائية عادية مع كفالة جميع الضمانات الإجرائية للمدعى عليهم بموجب القانون الدولي.
وقد قابلت هيومن رايتس ووتش خمسة سجناء حوكموا وأدينوا في محكمة أمن الدولة. وفيما يلي أمثلة على قضايا نظرتها محكمة أمن الدولة، وتكشف عن عدد من الثغرات الإجرائية وفيها عدم التزام بالمعايير الدولية لإجراءات التقاضي السليمة. وتدعو هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى إلغاء الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة أو إعادة محاكمة المدعى عليهم مع كفالة ضمانات إجراءات التقاضي السليمة، بحق جميع السجناء المحكومين إثر محاكمات غير منصفة.
عبد الحكيم الخويلدي
أثناء بعثة هيومن رايتس ووتش البحثية في ليبيا شهر أبريل/نيسان 2009، قابلت المحتجز الأمني السابق طرف الاستخبارات المركزية الأميركية، عبد الحكيم الخويلدي (المعروف أيضاً باسم عبد الله الصادق). الخويلدي هو أحد قيادات الجماعة الإسلامية الليبية التي سعت لسنوات إلى قلب نظام حكم القذافي، ثم نبذت العنف مؤخراً في أغسطس/آب 2009 وتفاوضت على إطلاق سراح المئات من أعضائها من سجن بوسليم على مدار السنوات الماضية. قال الخويلدي لـ هيومن رايتس ووتش إن محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالإعدام في عام 2008. وقد اعتقله مسؤولون أمنيون ماليزيون في 3 مارس/آذار 2004 وسلموه إلى الاستخبارات المركزية، وقال إنها استجوبته وعذبته في تايلاند.[179] وقد سلمت الاستخبارات المركزية عبد الحكيم الخويلدي لليبيا في 9 مارس/آذار 2004.[180] وقال لـ هيومن رايتس ووتش:
بعد عامين من الاستجواب طرف الأمن الخارجي، أحالوني على المحكمة. كانت المحكمة في المبنى الجديد، بأمن الدولة. ووجه إليّ 13 تهمة جراء نشاطي في ليبيا. ونُقلت إلى المحكمة وتلوا صحيفة الاتهام عليّ ثم أعادوني إلى السجن. بعد ستة أشهر أخبروني بالحُكم. قاموا بتعيين محامي من إدارة المحاماة الشعبية لكنّي لم أره قط. كان معي في القضية سبعة آخرون، قضية رقم 1. فكرة خضوعنا للمحاكمة من حيث المبدأ إيجابية، لكن الشيء السلبي الوحيد الذي أود الإشارة إليه هو أنني لم أقابل المحامي.[181]
وما زال عبد الحكيم الخويلدي سجيناً في سجن بوسليم.
محمد أحمد الشروعية
في 28 أغسطس/آب 2004 سلمت الاستخبارات المركزية محمد الشروعية (المعروف أيضاً باسم حسن ربيعي) إلى ليبيا بعد 17 شهراً قضاها محتجزاً طرف الاستخبارات المركزية الأميركية. حكمت محكمة أمن الدولة عليه بالسجن المؤبد لعضويته في تنظيم محظور، هو الجماعة الإسلامية الليبية، في 16 يونيو/حزيران 2006. وقد تحدث إلى هيومن رايتس ووتش في سجن بوسليم في حضور حارس رفض المغادرة، وقال:
تم استجوابي، ثم جلبوني إلى محكمة أمن الدولة. حُكم عليّ بالسجن المؤبد في 17 يوليو/تموز 2006. كلفوا محامي من طرف الدولة بالدفاع عني لكن لم أحظ بفرصة الجلوس معه والحديث. اتهموني بالعضوية في تنظيم محظور، وهو الجماعة الإسلامية الليبية في قضية رقم 20.[182]
قضية إدريس بوفايد وجمال الحاجي و12 آخرون
في فبراير/شباط 2007 اعتقلت قوات الأمن الليبية 14 شخصاً من المنظمين لمظاهرة سلمية كانوا يعتزمون عقدها إحياءً للذكرى السنوية لحملة القمع العنيفة على المتظاهرين في بنغازي. واحتجزتهم قوات الأمن بمعزل عن العالم الخارجي في سجن عين زارة والجديدة حتى 24 يونيو/حزيران 2007، عندما مثل 12 شخصاً من المجموعة أمام المحكمة لمواجهة اتهامات "محاولة قلب نظام الحكم" و"الاتصال بقوى معادية". تمت إحالة قضيتهم إلى محكمة أمن الدولة المنشئة حديثاً في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2007. ولم يتمكن المدعى عليهم من مقابلة محاميهم خارج قاعة المحكمة.[183] وكان هذا أحد أول المطالب التي طلبوها من القاضي. وافق القاضي على تحقيق مطلبهم فأمر الأمن الليبي بالسماح لهم بمقابلة المحامين.[184] وفي 10 يونيو/حزيران 2008 حكمت محكمة أمن الدولة على الـ 12 رجلاً بالسجن لفترات تراوحت بين ستة أعوام و25 عاماً.
كما اعتقلت قوات الأمن جمعة بوفايد، شقيق إدريس، وعبد الرحمن القطيوي، بالإضافة للآخرين، لكنهما لم يمثلا في المحكمة، مما استدعى المخاوف من "اختفائهما". إلا أن السلطات في مايو/أيار 2008 أطلقت سراح جمعة بوفايد دون نسب اتهامات إليه، ثم أفرجت عن القطيوي في أواسط فبراير/شباط 2009. المنظم الرئيسي للمظاهرة المعتزمة إدريس بوفايد، تلقى حُكماً بالسجن 25 عاماً، ثم أفرج عنه لأسباب طبية في أكتوبر/تشرين الأول 2008 لإصابته بدرجة متقدمة من سرطان الرئة، وسافر إلى سويسرا في 11 ديسمبر/كانون الأول 2008 لتلقي العلاج. وأفرجت ليبيا عن تسعة من السجناء بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 2008، والسجينين الأخيرين في مارس/آذار 2009.
وحكمت المحكمة على جمال الحاجي، الكاتب الذي يحمل الجنسية الدنماركية، بالسجن 12 عاماً. ورفضت السلطات الليبية طلبات الحكومة الدنماركية بزيارته. ووضعت سلطات السجن الحاجي في الحبس الانفرادي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 بعد أن رفض وضع حد لإضرابه عن الطعام احتجاجاً على استمرار احتجازه.[185] ثم أطلقت السلطات سراحه في 10 مارس/آذار 2009.
قضية شكري سهيل
اعتقلت قوات الأمن الداخلي شكري سهيل، وقضيته مذكورة في الفصل السادس أعلاه، في مايو/أيار 2004، لمحاولة إنشاء منظمة لحقوق الإنسان، واحتجزته في سجن بوسليم. وفي يناير/كانون الثاني 2006 برأته محكمة النقض في طرابلس. وتم الإفراج عن سهيل في 28 فبراير/شباط 2006. وبعد طعن النيابة في الحُكم، أمرت المحكمة العليا بإعادة محاكمته. وأحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة إثر تشكيلها في أغسطس/آب 2007. وفي 6 يونيو/حزيران 2008 أصدر الادعاء بمحكمة أمن الدولة أمر بمثول شكري سهيل أمام المحكمة في 17 يونيو/حزيران. وقال سهيل إنه قرر الخروج من ليبيا إلى تركيا في 16 يونيو/حزيران 2008 لأنه يعرف أنه لن ينال محاكمة منصفة في هذه المحكمة. وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالإعدام غيابياً. وقال سهيل لـ هيومن رايتس ووتش: "تمكنت من تعيين محامي خاص مثلني في المحكمة، لكن بعد حُكم الإعدام كف عن استقبال مكالماتي. أسرتي وأصدقائي لم يتمكنوا من الحصول على نسخة من الحُكم من المحكمة أو من المحامي".[186] وشكري سهيل متواجد حالياً في أوروبا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق