السبت، 13 فبراير 2010

X . عقوبة الإعدام

على الرغم من تكرار تأكيد بعض أجهزة السلطة الليبية على أن ليبيا تعمل باتجاه التخلص من عقوبة الإعدام، فإن صدور أحكام الأعدام ما زال مستمراً، كذلك يستمر تنفيذ أحكام الإعدام.
كبير مستشاري رئيس المحكمة العليا، د. عبد الرحمن أبو توتة أخبر هيومن رايتس ووتش بأن حوالي 35 إلي 40 شخصاً يصدر حكم الإعدام بحقهم في ليبيا كل عام، إلا أن 5٪ إلى 7٪ فقط من تلك الأحكام يتم تنفيذها سنوياً.[187]وقال:
لا يتم مطلقاً دخول حكم الإعدام إلى حيز التنفيذ إلا بعد أن يكون المجلس الأعلى للهيئات القضائية، الذي يرأسه أمين العدل، قد راجع قرار المحكمة الأدنى من الناحيتين الموضوعية والإجرائية. وحتي بعد التصديق على القرار، فإنه لا يتم تنفيذه إلا بعد مرور أربعة أعوام، إذ أن قانون العقوبات الليبي يعطي أهالي المجني عليهم حق إصدار عفو مقابل الدية. ومتى تم قبول دفعها، فإن القضية تعاد بواسطة النائب العام إلى المحكمة التي أصدرت القرار أولاً، ويتم استبدال الحكم بالسجن مدى الحياة. هناك القليل جداً من أحكام الإعدام يتم تنفيذها فعلياً، إذ أن الإعفاءات تصدر في الكثير من الحالات. إن المجتمع الليبي يعمل على أن يجعل عقوبة الإعدام تتناقص من خلال عملية التصالح الاجتماعي.[188]
كما ذكر د. عبد الرحمن أبو توتة أن نصف الذين حكم عليهم بالإعدام تقريباً كانوا من هميلي الجنسيات الأجنبية، إما عمال مصريون مهاجرون أو مهاجرون غير شرعيين من بلدان أفريقية أخرى.
فالوضع القائم إذاً هو أن فرصة السجين الوحيدة لتفادي الحكم بإعدامه هي التوصل لاتفاق على الدية. والقانون الليبي رقم 6 يتيح حق القصاص لأهالي المجني عليهم، وهو مفهوم تبناه القانون من أحكام الشريعة التي تلقى صدى قوياً في المجتمع الليبي، حيث الروابط القبلية والعائلية لم تزل تتسم بالقوة. لذلك فإن السبيل الوحيد لتخفيف عقوبة الإعدام، بخلاف قرار المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وهو أمر لا يحدث إلا في قضايا الشخصيات الهامة، هو بالتوصل لاتفاق مع أهل المجني عليه للتنازل عن الحق في القصاص مقابل الحصول على الدية. إن هذا النظام يسمح بتخفيف العقوبة إذا ما كان أحدهم قادراً على الدفع، وبذلك يستثني كل من يفتقر للقدرة المالية. كما وقد ثبت أنه نظام لا يعول عليه حيث أدت المعوقات البيروقراطية في بعض الأوقات لتنفيذ الإعدام بصورة مبتسرة في وقت كانت فيه مفاوضات تسوية الموقف لم تزل دائرة.
يقف عدد كبير من المصريين في طابور المحكومين بالإعدام في ليبيا. ولقد ذاعت أخبار قضاياهم بسبب محاولات وزارة الخارجية المصرية للتدخل لصالحهم.[189]إلا أن السلطات الليبية قامت بتنفيذ العديد من عمليات الإعدام، شملت مواطناً مصرياً آخر وذلك في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2008.[190] ولقد عملت منظمة المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، وهي منظمة مصرية غير حكومية، بصورة مشتركة مع جمعية "واعتصموا" التي تديرها د.عائشة القذافي، بإجراء ترتيبات دفع الدية في عدد من تلك القضايا بنجاح.
وحقيقة أنه قد وقعت بالفعل حالات تم فيها تنفيذ حكم الإعدام بالرغم من الاتفاق على دفع الدية، لأسباب تتصل بالمعوقات البيروقراطية، تلقي الضوء على طبيعة هذا النظام التي لا يعول عليها. ففي 29 يوليو/تموز 2009، أعدمت السلطات الليبية المواطن المصري فضل إسماعيل حتيتة لارتكابه جريمة القتل وذلك بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام في انتظار تنفيذ الحكم. وكان قد تم التوصل إلى اتفاق مع عائلة المجني عليه لتخفيف الحكم مقابل 30000 جنيه مصري (تعادل 4500 دولارً أميريكي)، إلا أن النائب العام الليبي لم يعتد بوثيقة الاتفاق إذ أنه لم يتم التصديق عليها من قبل وزير الخارجية المصري.

إن النقاش الدائر في ليبيا حول منع عقوبة الإعدام لم يزل نقاشاً حياً، إلا أنه لم يتقدم إلا بقدر ضئيل منذ بدأ في عام 1988 بصدور الوثيقة الخضراء العظمى لحقوق الإنسان، إذ تنص المادة الثامنة من الوثيقة على أن: "يهدف المجتمع الجماهيري إلى إلغاء عقوبة الإعدام." وفي 18 أبريل/نيسان 2004، ألقى معمر القذافي خطاباً أمام المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وأعضاء سلك القضاء رفيعي المستوى، نادى فيه بعدد من الإصلاحات التشريعية، بما في ذلك التقليل من عدد الجرائم التي تطبق فيها عقوبة الإعدام. وعلى الرغم من نداء الزعيم فإن مؤتمر الشعب العام اتخذ قراراً ضد إلغاء عقوبة الإعدام. وقد كرر القذافي نداءه في خطاب ألقاه في نوفمبر/تشرين الثاني 2004 أمام القضاة ودارسي القانون الليبيين وأذيع عبر تليفزيون ليبيا التابع للدولة. وقد قال فيه أن إلغاء عقوبة الإعدام لابد وأن ينجم عن التطور الاجتماعي، كما قال أنه "لا ينبغي له أن يكون نتيجة للضغوط الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية كتلك الضغوط التي تراكمت على تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي."[191]

وعلى الرغم من تلك المواقف المعلنة، فإن قانون العقوبات الليبي يطالب بعقوبة الإعدام لنطاق عريض من الجرائم، بما في ذلك أعمال محمية بموجب الحق في حرية التنظيم والتعبير. فالمادة 3 من القانون 71 تُجرِّم تشكيل أو الانضمام إلى أو دعم أي عمل جماعي يعارض أيديولوجية ثورة 1969 التي أتت بالقذافي إلى سلطة الحكم. وتوقع المادة 206 من قانون العقوبات عقوبة الإعدام بمن يدعو إلى "تأسيس أية جماعة أو منظمة أو جمعية يجرمها القانون"، وبمن ينتمون أو يدعمون مثل تلك التنظيمات. وقد نوهت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تعليقاتها الختامية بقلق على التقرير المقدم من ليبيا بأنه "في ظل التشريعات الحالية فإن عقوبة الإعدام يمكن تطبيقها على أعمال مؤثمة غامضة الوصف ومعرَّفة على غير الدقة، كما أنه لا يمكن بموجب المادة 6 فقرة 2 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن تصور بالضرورة باعتبارها أكثر الجرائم خطورة".[192]

يمكن للإصلاحات المقترح إدخالها على قانون العقوبات الليبي أن تضيق من نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، إلا أنها تبقي على تلك العقوبة في جرائم من قبيل شراء أسلحة فاسدة أو خطرة (المادة 145)، والاعتداء على رؤساء الدول الأجنبية (المادة 172)، والقتل (المادة 273)، والقتل المقترن بقطع الطريق (المادة 345). وإن هيومن رايتس ووتش لتنوه كما أنها ترحب ما تم في مسودة التعديلات الجديدة من تخفيض للجرائم التي تستوجب فرض عقوبة الإعدام والتي تم استبدالها في العديد من الحالات بعقوبة السجن. إلا تدعو إلى استبدال عقوبة الإعدام في ما بقي من حالات موجبة بعقوبة السجن، إذ أنها عقاب أكثر إنسانية ومعاصرة، كما أنه ليس هناك دليل على أن عقوبة الإعدام تفيد كعامل رادع.

إن التوجه العالمي لهو صوب إلغاء عقوبة الإعدام، وقد انعكس ذلك بأوضح صورة في قرار الجمعية العامة رقم 62/149 في 18 ديسمبر/كانون الأول 2007 منادياً بتعليق عالمي للعمل بعقوبة الإعدام. وقد تم تبني القرار بأغلبية موافقة بلغت 104 من أصوات الدول الأعضاء، ومعارضة 54 دولة، وامتناع 29 عن التصويت. إن هيومن رايتس ووتش تعارض إنزال عقوبة الإعدام تحت أي ظرف لما تحمله من وحشية، ولأنها كثيراً ما يتم إيقاعها على نحو تمييزي

ليست هناك تعليقات: